قال صاحب الفرائد هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه اللّه البتة فلا بد من التكليف وتحمل المشقة ، والذي توافقه النفس هو الافتخار والمراآت فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
[ البلد : 6 ] والمراد الإنفاق المفيد ، وأن ذلك الإنفاق لمضر انتهى .
وفي التمثيل بالعقبة بعد ذكر النجدين ترشيح ثم التقريع عليه بالاقتحام قرينة لتلك المبالغة ذكره الكرخي ،
ومعنى
فَكُّ رَقَبَةٍ
إعتاق رقبة وتخليصها من إسار الرق وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الرهن وفك الكتاب ، فقد بين سبحانه أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من النار ، قرىء فك رقبة على أنه فعل ماض وهكذا أطعم ، وقرىء فك وإطعام على أنهما مصدران ، وعلى الأولى المعنى فلا أفك ولا أطعم ، والفك في الأصل حل القيد سمي العتق فكا لأن الرق كالقيد ، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته .
وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة منها ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل عضو منها عضوا من النار حتى الفرج بالفرج » « 1 » .
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
أي مجاعة . والسغب الجوع ، والساغب الجائع ، قال الراغب يقال منه سغب الرجل سغبا وسغوبا فهو ساغب وسغبان والمسغبة مفعلة منه ، قال النخعي في يوم ذي مسغبة أي عزيز فيه الطعام .
قال ابن عباس مسغبة مجاعة ، وعنه جوع ، وقيد الإطعام في هذا اليوم لأن إخراج المال في ذلك الوقت أثقل على النفس وأوجب للأجر ، قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة ليوم ، ويتيما هو مفعول إطعام ، وقرأ الحسن بالنصب على أنه مفعول إطعام أي يطعمون ذا مسغبة ويتيما بدلا منه .
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ
أي قرابة قاله ابن عباس : يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي ، واليتيم في الأصل الضعيف يقال يتم الرجل إذا ضعف ، واليتيم عند أهل اللغة من لا أب له ، وقيل هو من لا أب له ولا أم ، ومنه قول قيس بن الملوح .
إلى اللّه أشكو فقد ليلى كما شكا * إلى اللّه فقد الوالدين يتيم
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
أي لا شيء له كأنه لصق بالتراب لفقره ، وليس له مأوى إلا التراب ، يقال ترب الرجل يترب تربا ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرا ، قال
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الكفارات باب 6 ، ومسلم في العتق حديث 22 ، 23 ، والترمذي في النذور باب 14 ، وأحمد في المسند 2 / 420 ، 422 .