ومنها قوله :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
[ البقرة : 230 ] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن .
فهذا الشرط فيه فوائد منها ما تقدم ، ومنها البعث على الانتفاع بالذكر كما يقول الرجل لمن يرشد ، قد أوضحت لك أن كنت تعقل ، وهو تنبيه للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على أنها لا تنفعهم الذكرى ، أو يكون هذا في تكرير الدعوة فأما الدعاء الأول فهو عام انتهى .
ثم بيّن سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى ومن لا تنفعه فقال :
سَيَذَّكَّرُ
أي سيتعظ بوعظك ، والسين بمعنى سوف ، وسوف من اللّه واجب كقوله سنقرئك فلا تنسى
مَنْ يَخْشى
اللّه فيزداد بالتذكير خشية وصلاحا .
وَيَتَجَنَّبُهَا
أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها فلا يقبلها
الْأَشْقَى
من الكفارة لإصراره على الكفر باللّه وانهماكه في معاصيه .
ثم وصف الأشقى فقال :
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
أي العظيمة الفظيعة لأنها أشد حرا من غيرها . قال الحسن النار الكبرى نار جهنم والنار الصغرى نار الدنيا ، وقال الزجاج هي السفلى من أطباق النار ، وقيل إن في الآخرة نيرانا ودركات متفاضلة ، فكما أن الكافر أشقى العصاة فكذا يصلى أعظم النيران .
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها
فيستريح مما هو فيه من العذاب
وَلا يَحْيى
حياة ينتفع بها ، ومنه قوله الشاعر :
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي * عناها ولا تحيى حياة لها طعم « 1 »
وثم للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من صلي النار الكبرى .
ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل اللّه أتبعه بالوعد لضده فقال :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
أي نال الفوز من تطهر من الشرك فآمن باللّه ووحده وعمل بشرائعه ، قال عطاء والربيع من كان عمله زاكيا ناميا ، وقال قتادة : تزكى بعمل صالح ، وقال عطاء وقتادة وأبو العالية نزلت في صدقة الفطر ، قال عكرمة كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي ، وأصل الزكاء في اللغة النماء .
وقيل المراد بالآية زكاة الأموال كلها . وقيل المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكى لا تزكى ، قال ابن عباس من تزكى من قال لا إله إلا اللّه .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( طعم ) .