والأول أولى لقوله :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ
[ الانفطار : 10 ] وقوله :
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
[ الأنعام : 61 ] وقوله :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ
[ الرعد : 11 ] والحافظ في الحقيقة هو اللّه عز وجل كما في قوله :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
[ يوسف : 64 ] وقوله :
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً
[ الأحزاب : 52 ] فإن الممكنات كما تحتاج إلى الواجب لذاته في وجودها تحتاج إليه في بقائها ، وحفظ الملائكة من حفظه لأنهم يحفظونه بأمره .
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ
الفاء للدلالة على أن كون حافظ على كل نفس يوجب على الإنسان أن يتفكر في مبتدأ خلقه ليعلم قدرة اللّه على ما هو دون ذلك من البعث ، قال مقاتل يعني المكذب بالبعث
مِمَّ خُلِقَ
أي من أي شيء خلقه اللّه ، والمعنى فلينظر نظر التفكر والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته .
ثم بيّن سبحانه ذلك فقال :
خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، والماء هو المني والدفق الصب ، يقال دفقت الماء أي صببته ويقال
ماءٍ دافِقٍ
أي مدفوق مثل
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
[ الحاقة : 21 ] أي مرضية .
قال الفراء والأخفش : أي مصبوب في الرحم ، قال الفراء وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم كقولهم سر كاتم أي مكتوم وهم ناصب أي منصوب وليل نائم ونحو ذلك .
قال الزجاج : من ماء ذي اندفاق يقال دارع وقايس ونابل أي ذو درع وقوس ونبل ، يعني من صيغ النسب كلابن وتأمر ، وهو صادق على الفاعل والمفعول أو هو مجاز في الإسناد ، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية أو مصرحة بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا أي يدفعه كما أشار له ابن عطية .
وأراد سبحانه ماء الرجل والمرأة لأن الإنسان مخلوق منهما لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما .
[ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 7 إلى 17 ]
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 )
وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 )
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 )
ثم وصف هذا الماء فقال :
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
أي صلب الرجل وترائب المرأة وهي جمع تريبة وهي موضع القلادة من الصدر ، والولد لا يكون إلا من الماءين ، قرأ الجمهور يخرج مبنيا للفاعل وقرىء مبنيا للمفعول ، وفي الصلب وهو الظهر لغات قرأ الجمهور بضم الصاد وسكون اللام ، وقرأ أهل مكة بضمهما ، وقرأ