تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وهذا من تمام تكذيبهم في المقالة الثالثة
لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ
منهزمين
ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
يعني اليهود ، ولا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم وهم المنافقون ، وقيل : يعني لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك ، بل يذلهم اللّه ولا ينفعهم نفاقهم ، وقيل : معنى الآية لا ينصرونهم طائعين ، ولئن نصروهم مكرهين ليولن الأدبار ، وقيل : معنى لا ينصرونهم لا يدومون على نصرهم ، والأول أولى ، ويكون من باب قوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 28 ] .
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ
أي لأنتم يا معاشر المسلمين أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين أو صدور اليهود ، أو صدور الجميع
مِنَ اللَّهِ
أي من رهبة اللّه ، والرهبة هنا بمعنى المرهوبية ، لأنها مصدر من المبني للمفعول وفيه دلالة على نفاقهم ، يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف اللّه ، وأنتم أهيب في صدورهم منه
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
أي ما ذكر من الرهبة الموصوفة بسبب عدم فقههم بشيء من الأشياء ، ولو كان لهم فقه لعلموا أن اللّه سبحانه هو الذي سلطكم عليهم ، فهو أحق بالرهبة منه دونكم ، ثم أخبر سبحانه بمزيد فشلهم وضعف نكايتهم فقال :
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً
يعني لا يبرز اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم ، ولا يقدرون على ذلك
إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ
بالدروب والدور والخنادق
أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ
أي من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم قرأ الجمهور
جُدُرٍ
بالجمع ، وقرىء جدار بالإفراد ، واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم ، لأنها موافقة لقوله :
قُرىً مُحَصَّنَةٍ ،
وهما سبعيتان وقرىء جدر بفتح الجيم وإسكان الدال ، وهي لغة في الجدار .
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ
أي بعضهم فظ غليظ على بعض ، وقلوبهم مختلفة ، ونياتهم متباينة ، قال السدي : المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد ، وقال مجاهد :
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ
بالكلام والوعيد ، لنفعلن كذا ، والمعنى أنهم إذا انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس ، وإذا لاقوا عدوا ذلوا وخضعوا وانهزموا ، وقيل : المعنى أن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد ، وإنما ضعفهم بالنسبة إليكم لما قذف اللّه في قلوبهم من الرعب ، والأول أولى لقوله :
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
فإنه يدل على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن ، وهذا التخالف هو البأس الذي بينهم ، الموصوف بالشدة ، والجملة حالية أو مستأنفة للإخبار بذلك . والعامة على أن شتى بلا تنوين لأنها ألف تأنيث ، ومعنى شتى متفرقة ، قال مجاهد : يعني اليهود والمنافقين ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، أي لافتراق عقائدهم ، واختلاف مقاصدهم ، وروي عنه أيضا أنه قال : المراد المنافقون ، وقال الثوري : هم المشركون وأهل الكتاب ، قال قتادة :
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً
أي مجتمعين