فأنزل اللّه ما قطعتم الآية ، وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه : عن ابن عباس في الآية قال : « اللينة النخلة ، قال : استنزلوهم من حصونهم ، وأمروا بقطع النخل فحك في صدورهم ، فقال المسلمون : قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا ، فلنسألن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر ؟ فأنزل اللّه :
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ
الآية » « 1 » ، وفي الباب أحاديث ، والكلام في صلح بني النضير مبسوط في كتب السير .
وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ
أي ليذل الخارجين عن الطاعة ، وهم اليهود ، ويغيظهم ، في قطعها وتركها لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف شاؤوا ، من القطع والترك ازدادوا غيظا ، قال الزجاج : وليخزي الفاسقين بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع وترك ، والتقدير وليخزي الفاسقين ، أذن في ذلك ، يدل على المحذوف قوله :
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
، وقد استدل بهذه الآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس أن تهدم وتحرق وترمى بالمجانيق ، وكذلك قطع أشجارهم ونحوها ، وعلى جواز الاجتهاد ، وعلى تصويب المجتهدين ، والبحث مستوفى في كتب الأصول .
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ
أي ما رده عليه من أموال الكفار ، يقال : فاء يفيء إذا رجع ، والضمير في منهم راجع إلى بني النضير
فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
يقال : وجف الفرس والبعير يجف وجفا وهو سرعة السير ، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع ، و
ما
في
فَما أَوْجَفْتُمْ
نافية ، والفاء جواب الشرط إن كانت
ما
في
ما أَفاءَ اللَّهُ
شرطية ، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة و
مِنْ
في
مِنْ خَيْلٍ
زائدة للتأكيد ، والركاب ما يركب من الإبل خاصة ، قال الرازي : العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير ، ويسمون راكب الفرس فارسا ، والمعنى أن ما رد اللّه على رسوله من أموال بني النضير لم تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا ، ولم تقطعوا إليها مسافة ، ولا تجشمتم لها شقة ، ولا لقيتم بها حربا ولا مشقة ، وإنما كانت من المدينة على ميلين ، قاله الفراء ، فجعل اللّه سبحانه أموال بني النضير لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، خاصة لهذا السبب فإنه افتتحها صلحا ، وأخذ أموالها ، وقد كان يسأله المسلمون أن يقسم لهم فنزلت الآية .
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما : عن عمر بن الخطاب قال : « كانت أموال بني النضير مما أفاء اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ومما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 59 ، باب 2 .