بإخلاص النية
إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
أي كثير المغفرة للمذنبين ، وقيل لمعنى توبوا عن الكفر إنه كان غفارا للتائبين .
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
أي يرسل ماء السماء عليكم ، ففيه إضمار وقيل المراد بالسماء المطر ، والمدرار الدرور ، وهو التحلب بالمطر ، وانتصابه إما على الحال من السماء ولم يؤنث لأن مفعالا لا يؤنث بل يستوي فيه المذكر والمؤنث ، تقول امرأة مئناث ومذكار أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي إرسالا مدرارا ، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام ، وجزم يرسل لكونه جواب الأمر ، وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر ، وحصول أنواع الأرزاق ومن لازم الاستغفار جعل اللّه له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا .
ولهذا قال :
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ
أي بساتين الدنيا ليكون مما وعدوا به عاجلا
وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
جارية ، قال عطاء المعنى يكثر أموالكم وأولادكم وكانوا يحبونهما فحركوا بهذا على الإيمان وأعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم باللّه يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا ، وأعاد فعل الجعل ولم يقل وأنهارا لتغايرهما فإن الأول مما لفعلهم فيه مدخل بخلاف الثاني .
وعن الحسن : أن رجلا شكا إليه الجدب فقال استغفر اللّه وشكا إليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له الربيع بن صبيح : أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألونك أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فتلا هذه الآية وللّه دره ما أفقهه ، قال القشيري من وقعت له حاجة إلى اللّه لم يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار ، وقال الشهاب وليس المراد بالاستغفار مجرد قول استغفر اللّه بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب .
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
أي أيّ عذر لكم في ترك الرجاء ، والرجاء هنا الخوف أي ما لكم لا تخافون اللّه والوقار العظمة من التوقير ، وهو التعظيم ، والمعنى لا تخافون حق عظمته فتوحدونه وتطيعونه ، وقيل المعنى ما لكم لا تؤملون من اللّه توقيرا لكم بأن تؤمنوا به فتصيروا موقرين عنده ، وهذا المعنى هو ما سلكه البيضاوي أولا ، وقال أبو السعود : إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم للّه تعالى وقارا على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد انتهى .
وهذا حث على رجاء الوقار للّه ، والمراد الحث على الإيمان والطاعة الموجبين لرجاء ثواب اللّه ، فهو من الكناية التلويحية لأن من أراد رجاء تعظيم اللّه ، وتوقيره إياه آمن به وعبده وعمل صالحا ومن عمل الصالحات رجا ثواب اللّه وتعظيمه إياه في دار الثواب ، فإن الحث على تحصيل الرجاء مسبوق بالحث على تحصيل الإيمان . فهو من باب مقدمة الواجب .