تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
مطالعة الكتاب ، والمعنى يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت عليّ ، لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت .
ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ
أي لم يدفع عني من عذاب اللّه شيئا ، على أن « ما نافية » أو استفهامية والمعنى أي شيء أغنى عني مالي الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد اللّه ، وصيغ الخطاب يقتضي أن مالي كلمة واحدة بمعنى المال ، وفي أبي السعود ما كان لي من اليسار .
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
أي هلكت وضلت وغابت عني حجتي ، كذا قال مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك ، وقال ابن زيد : يعني سلطاني الذي في الدنيا وهو الملك لم أجد له الآن نفعا وبقيت حقيرا ذليلا ، وقيل تسلطي على جوارحي ، قال مقاتل يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك . وحينئذ يقول اللّه عزّ وجلّ
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ
أي اجمعوا يديه إلى عنقه بالأغلال والخطاب لخزنة جهنم أي زبانيتها ، وسيأتي في سورة المدثر أن عدتم تسعة عشر ، قيل ملكا وقيل صفا وقيل صنفا ، حكى الثلاثة الرازي .
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
أي أدخلوه الجحيم والمعنى لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظيمة ، والترتيب بثم في الزمان فإن إدخاله النار بعد غله ، وكذلك إدخاله في السلسلة كما يأتي بعد إدخاله النار ، والتراخي المفاد بها للتفاوت في الرتب ، فكل واحد من المعطوفين بها أشد من العذاب وأغلى مما قبله ، وفي الخطيب صلوه أي بالغوا في تصليته إياها ، وكرروها بغمسه في النار كالشاة المصلية مرة بعد مرة لأنه كان يتعاظم على الناس ، فناسب أن يصلى أعظم النيران .
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ
عظيمة جدا ، والسلسلة حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة
ذَرْعُها
أي طولها
سَبْعُونَ ذِراعاً
قال الحسن اللّه أعلم بأي ذراع هو ، وقيل بذراع الملك ، قال نوف الشامي : كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد ما بينك وبين مكة وكان نوف في رحبة الكوفة ، قال مقاتل لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص ، وقال ابن جريج لا يعرف قدرها إلا اللّه ، وهذا العدد حقيقة أو مبالغة ، ومعنى :
فَاسْلُكُوهُ
فاجعلوه فيها بحيث يكون كأنه السلك أي الحبل الذي يدخل في ثقب الخرزات بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه ، يقال سلكته الطريق إذا أدخلته فيه ، ولم تمنع الفاء من تعلق الفعل أي الداخلة عليه بالظرف المتقدم وهو في سلسلة ، وتقديمها كتقديم الجحيم للدلالة على التخصيص والاهتمام بذكر أنواع ما يعذبون به ؛ وثم لتفاوت ما بينها في الشدة لا للدلالة على تراخي المدة .