يَوْمَ
أي اذكر يوم
يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ
أي للّه يوم القيامة على أنهم مؤمنون
كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ
في الدنيا ، وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم ، فإن يوم القيامة قد انكشفت فيه الحقائق ، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة فكيف يجترئون ، على أن يكذبوا في ذلك الموقف ، ويحلفون على الكذب .
عن ابن عباس قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، جالسا في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال : إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان ، فإذا جاءكم فلا تكلموه ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق ، فقال حين رآه : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فقال : ذرني آتيك بهم ، فحلفوا واعتذروا » ، فأنزل هذه الآية والتي بعدها .
وَيَحْسَبُونَ
في الآخرة
أَنَّهُمْ
بتلك الأيمان الكاذبة
عَلى شَيْءٍ
مما يجلب نفعا أو يدفع ضررا ، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ
أي الكاملون في الكذب المتهالكون عليه ، البالغون إلى حد لم يبلغ إليه غيرهم بإقدامهم عليه وعلى الأيمان الفاجرة ، في موقف القيامة بين يدي الرحمن .
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ
أي غلب عليهم واستعلى واستولى ، قال المبرد :
استحوذ على الشيء حواه وأحاط به ، وقيل : قوي عليهم ، وقيل : جمعهم ، يقال :
أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ، والمعاني متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم ، واستعلى عليهم واستولى وأحاط بهم
فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
أي أوامره والعمل بطاعاته ، فلم يذكروا شيئا من ذلك وقيل : زواجره في النهي عن معاصيه ، وقيل : لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم والإشارة بقوله
أُولئِكَ
إلى المذكورين الموصوفين بتلك الصفات
حِزْبُ الشَّيْطانِ
أي جنوده وأتباعه ورهطه .
أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ
أي الكاملون في الخسران ، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران ، لأنهم باعوا الجنة بالنار ، والهدى بالضلال وكذبوا على اللّه وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة ، وفوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد ، وعرضوها للعذاب المخلد .
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
قد تقدم معنى المحادة للّه ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، في أول هذه السورة والجملة تعليل لما قبلها
أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ
أي أولئك المحادون للّه ولرسوله المتصفون بتلك الصفات المتقدمة من جملة من أذله اللّه من الأمم السابقة واللاحقة ، لا ترى أحدا أذل منهم لأنهم لما حادوا اللّه ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان ، قال عطاء : يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة .
كَتَبَ اللَّهُ
مستأنفة لتقرير ما قبلها من كونهم في الأذلين ، أي كتب في اللوح المحفوظ ، وقضى في سابق علمه ، وقال الفراء : كتب بمعنى قال
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا