تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ومظاهرتهما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين ، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق اللّه وخاتم رسله ، فإن ذلك لا يغني عنهما من اللّه شيئا ، وقد عصمهما اللّه سبحانه عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ
هي آسية بنت مزاحم قيل : إنها إسرائيلية وإنها عمة موسى ، وقيل : إنها ابنة عم فرعون » ، وإنها من العمالقة ، وكانت ذات فراسة صادقة آمنت بموسى عليه السلام فعذّبها فرعون بالأوتاد الأربعة ، والكلام في هذا كالكلام في المثل الذي قبله ، أي جعل اللّه حال امرأة فرعون مثلا لحال المؤمنين ترغيبا لهم في الثبات على الطاعة ، والتمسك بالدين ، والصبر في الشدة ، وأن وصلة الكفر لا تضرهم ، كما لم تضر امرأة فرعون ، وقد كانت تحت أكفر الكافرين ، وصارت بإيمانها باللّه في جنات النعيم ، وفيه دليل على أن وصلة الكفرة لا تضر مع الإيمان .
إِذْ
ظرف لمثلا أو لضرب
قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ
حال من ضمير المتكلم أو من
بَيْتاً
لتقدمه عليه وقوله :
فِي الْجَنَّةِ
بدل أو عطف بيان لقوله : عندك ، أو متعلق بقوله : ابن ، وقدم عندك هنا للإشارة إلى قولهم : الجار قبل الدار ، ومعناه بيتا قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين منك ، أو في مكان لا يتصرف فيه إلا بإذنك وهو الجنة .
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ
أي من ذاته الخبيثة وشركه ، وما يصدر عنه من أعمال الشر ، وقال ابن عباس : عمله يعني جماعة ، وعن سلمان قال : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس ، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة ، وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد ، وأضجعها ، وجعل على صدرها رحى ، واستقبل بها عين الشمس ، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت :
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
إلى قوله :
وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
ففرج اللّه لها عن بيتها في الجنة فرأته ، وقبض اللّه روحها ، قال الكلبي هم أهل مصر ، وقال مقاتل : هم القبط ، قال الحسن وابن كيسان : نجاها اللّه أكرم نجاة ، ورفعها إلى الجنة ، فهي تأكل وتشرب ، وفيه دليل على أن الاستعاذة باللّه والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين ، وديدن المؤمنين بيوم الدين .
وَ
ضرب اللّه مثلا للذين آمنوا
مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ
أي حالها وصفتها فمثل حال المؤمنين بامرأتين ، كما مثل حال الكفار بامرأتين ، وقيل : التقدير اذكر مريم والمقصود من ذكرها أن اللّه سبحانه جمع لها بين كرامتي الدنيا والآخرة ، واصطفاها