جزاء كسبهم ، وسمي الجزاء سيئآت لوقوعه في مقابلة سيئآتهم ، فيكون ذلك من باب الازدواج والمشاكلة . كقوله
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] وفيه رمز إلى أن جميع أعمالهم كذلك ، ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره فقال :
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ
الموجودين من الكفار
سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
كما أصاب من قبلهم ، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر ، والسين للتأكيد
وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
أي بفائتين على اللّه بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة .
أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا
الضمير للقائلين
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
[ القصص : 78 ] فالمعنى أقالوها ولم يعلموا ؟ أو أغفلوا ولم يعلموا ؟
أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ
أي يوسع
الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
أن يوسعه له ، وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحانا
وَيَقْدِرُ
أي يقبضه على من يشاء أن يقبضه ، ويضيقه عليه ، وإن كان قويا شديد الحيلة ابتلاه ، وقيل : يجعله على قدر قوت ، قال مقاتل : وعظهم اللّه ليعتبروا في توحيده ، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين ، فقال : أو لم يعلموا أن اللّه يوسع الرزق لمن يشاء ؟ ويقتر على من يشاء ؟ فلا قابض ولا باسط إلا اللّه تعالى ، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ، فلا بدّ لذلك من حكمة وسبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله ، فإنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، والجاهل الضعيف في أعظم السعة .
إِنَّ فِي ذلِكَ
المذكور من التوسيع والتضييق
لَآياتٍ
أي لدلالات عظيمة وعلامات جليلة
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
باللّه ، وإنما خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بالآيات ، المتفكرون فيها ،
ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبة بذكر سعة رحمته ، وعظيم معرفته ، وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبشرهم بذلك فقال :
قُلْ يا عِبادِيَ
قرىء بإثبات الياء وصلا ووقفا . وبغير الياء . وهما سبعيتان
الَّذِينَ أَسْرَفُوا
أي أفرطوا
عَلى أَنْفُسِهِمْ
في الكفر أو المعاصي واستكثروا منها
لا تَقْنَطُوا
بفتح النون وبكسرها أي لا تيأسوا
مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
أي من مغفرته ، وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة : منها إقباله تعالى عليهم ، ونداؤهم ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله :
مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله الآتي :
إِنَّ اللَّهَ ،
قاله السمين .
وقال عبد اللّه وغيره : هذه الآية أرجى آية في كتاب اللّه سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم ، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب ، ثم عقب ذلك بالنهي عن