تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
أي من السحاب مطرا
فَسَلَكَهُ
أي فأدخله وأسكنه
يَنابِيعَ
أي عيونا ومسالك ومجاري وركايا
فِي الْأَرْضِ
كالعروق في الجسد ، والينابيع جمع ينبوع من نبع الماء ينبع ، والينبوع عين الماء والأمكنة التي ينبع منها الماء من خلال الأرض أو نفس الماء الجاري والمعنى : أدخل الماء النازل من السماء في الأرض ، وجعله فيها عيونا جارية أو جعله في ينابيع أي في أمكنة ينبع منها الماء فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض ، قال مقاتل : فجعله ركايا وعيونا في الأرض ، وقال ابن عباس ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء ، ولكن عروق في الأرض تغيره ، فذلك قوله :
فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
فمن سره أن يعوده الملح عذبا فليصعده .
ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ
أي بذلك الماء من الأرض ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة
زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ
من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر ؛ أو من بر وشعير وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف ، وشمل لفظ الزرع جميع ما يستنبت حتى المقات .
ثُمَّ يَهِيجُ
أي يجف وييبس يقال : هاج النبت يهيج هيجا إذا تم جفافه وحان له أن ينتشر عن منبته ، قال الجوهري : يقال : هاج النبت هياجا إذا يبس ، وأرض هايجة يبس بقلها ، أو أصفر ، وأهاجت الريح النبت أيبسته ، قال المبرد قال الأصمعي يقال : هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى قال وكذلك هاج النبت
فَتَراهُ
بعد خضرته ونضارته ، وحسن رونقه
مُصْفَرًّا
قد ذهبت خضرته وزالت نضارته .
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً
أي متفتتا متكسرا ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس ، ويقال للدابة إذا أسنت حطمة ، ويتعدى بالحركة فيقال : حطمته حطما من باب ضرب فانحطم ، وحطمته بالتشديد مبالغة ، قرأ الجمهور :
ثُمَّ يَجْعَلُهُ
بالرفع عطفا على ما قبله ، وقرىء بالنصب بإضمار أن ولا وجه لذلك .
إِنَّ فِي ذلِكَ
المذكور من الأفعال الخمسة التي أولها أنزل
لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
أي تذكيرا لأهل العقول الصحيحة ، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها ، فيتفكرون ويعتبرون ، ويعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم ، وقرب التقضي ، وذهاب بهجتها ، وزوال رونقها ونضارتها ، فإذا أنتج لهم التفكر والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم الاغترار بها ، والميل إليها ، وإيثارها على دار النعيم الدائم والحياة المستمرة ، واللذة الخالصة ، ولم يبق معهم شك في أن اللّه قادر على البعث والحشر ، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك . وقيل : هو مثل ضربه اللّه للقرآن ولصدور من في الأرض ، والمعنى أنزل من السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين ، ثم يخرج به دينا بعضه أفضل من بعض ، فأما
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 65 | صديق الحسيني القنوجي البخاري