[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 12 إلى 16 ]
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 )
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
من هذه الأمة وكذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه أول من خالف دين آبائه ودعا إلى التوحيد ، ومعنى الأولية السبق بحسب الزمان ، فالمراد بالسبق السبق بحسب الدعوة ، فإن الأفضل أن من يدعو الغير إلى خلق كريم أن يدعو نفسه إليه أولا ، ويتخلق به حتى يؤثر في الغير كسنة الأنبياء والصالحين ، لا الملوك والمتجبرين ، واللام للتعليل ، أي وأمرت بما أمرت به لأجل أن أكون ، وقيل : إنها مزيدة للتوكيد ، والأول أولى ،
ثم أمره ثالثا أن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير العصيان فقال :
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي
بترك إخلاص العبادة له ، وتوحيده والدعاء إلى ترك الشرك ، وتضليل أهله
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
وهو يوم القيامة قال أكثر المفسرين : المعنى إني أخاف إن عصيت ربي بإجابة المشركين إلى ما دعوني إليه من عبادة غير اللّه .
قال أبو حمزة اليماني وابن المسيب : هذه الآية منسوخة بقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح : 2 ] وفي هذه الآية دليل على أن الأمر للوجوب لأن قبله
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ
[ الرعد : 36 ] ، فالمراد عصيان هذا الأمر ، وفيه زجر الغير عن المعاصي ، لأنه مع جلالة قدره وشرف طهارته ونزاهته ، ومنصب نبوته إذا كان خائفا حذرا من المعاصي فغيره أولى بذلك ،
ثم أمره رابعا أن يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد ، وعبد اللّه وأخلص له الدين على أبلغ وجه ، وآكده ، إظهارا لتصلبه في الدين ، وحسما لأطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم فقال :
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ
التقديم مشعر بالاختصاص ، أي لا أعبد غيره لا استقلالا ولا على جهة الشركة ، ومعنى
مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
أنه خالص للّه غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما ، وقد تقدم تحقيقه في أول السورة ، قال الرازي : فإن قيل ما معنى التكرير في قوله :
إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
[ الزمر : 11 ] ، وقوله :
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
قلنا ليس هذا بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة اللّه بالإيمان والعبادة والثاني إخبار بأنه أمر أن لا يعبد أحدا غير اللّه .
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ
أن تعبدوه
مِنْ دُونِهِ
هذا الأمر للتهديد والتقريع والتوبيخ ،