اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
[ الأنعام : 144 ] ويعني بالاثنين في الأربع المواضع الذكر والأنثى ، والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ، ويحصل منهما النسل ، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه ، ويحصل منهما النسل ، وكذا يطلق على الاثنين فهو مشترك ، والمراد هنا الإطلاق الأول ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأنعام ، ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته البديعة فقال :
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
قرأ حمزة بكسر الهمزة والميم وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم ، وقرأ الباقون بضم الهمزة وفتح الميم ، وإنما قال
فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
مع أن الإنسان والحيوان مشترك في هذا الخلق لتغليب من يعقل ، ولشرف الإنسان على سائر الخلق
خَلْقاً
كائنا
مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
الجملة استئنافية لبيان ما تضمنته من الأطوار المختلفة في خلقهم ، وخلقا مصدر مؤكد للفعل المذكور ، ومن بعد خلق صفة له . قال قتادة والسدي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما . وقال ابن زيد خلقكم خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم .
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
هي ظلمة البطن وظلمة الرحم ؛ وظلمة المشيمة ؛ قاله مجاهد وقتادة والضحاك ، وقال سعيد بن جبير ظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم وظلمة الليل وقال أبو عبيدة ظلمة صلب الرجل ، وظلمة بطن المرأة ؛ وظلمة الرحم والرحم داخل البدن والمشيمة داخل الرحم قال ابن الأعرابي يقال لما يكون فيه الولد المشيمة والكيس والغلاف ؛ والجمع مشيم بحذف الهاء ، ومشايم ، ويقال لها من غيره السلى ، والإشارة بقوله
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة والاسم الشريف خبره وربكم خبر آخر .
لَهُ الْمُلْكُ
الحقيقي في الدنيا والآخرة لا شراكة لغيره فيه ، وهو خبر ثالث وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
خبر رابع
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
أي فكيف تنصرفون عن عبادته ؟
وتتقلبون عنها إلى عبادة غيره ؟ أو تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان ،
ولما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده ، وبين لهم من بديع صنعه ، وعجيب فعله ، ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به عقبه بقوله :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
أي غير محتاج إليكم ولا إلى إيمانكم ولا عبادتكم له ، فإنه الغني المطلق .
وَ
مع كون كفر الكافر لا يضره كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن ، فهو أيضا
لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
أي لا يرضى لأحد من عباده الكفر ، ولا يحبه ، ولا يأمر به ، ولا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه ، ويثيب فاعله ويمدحه ، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ، ويعاقب مرتكبه ، وإن كان بإرادته إذ لا يخرج شيء عنها .