تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
والاستبداد بإتيان المقترح بها لأنهم عبيد مربوبون
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ
أي الوقت المعين لعذابهم في الدنيا وفي الآخرة
قُضِيَ بِالْحَقِّ
فيما بين الرسل ومكذبيها ، فينجي اللّه بقضائه الحق عباده المحقين .
وَخَسِرَ هُنالِكَ
أي في ذلك الوقت
الْمُبْطِلُونَ
الذين يتبعون الباطل ويعملون به ، وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك ، وختمه بقوله :
الْمُبْطِلُونَ ،
وختم السورة بقوله :
الْكافِرُونَ ،
لأن الأول متصل بقوله : قضى بالحق ، ونقيض الحق هو الباطل ، والثاني متصل بإيمان غير نافع ونقيض الإيمان الكفر أفاده الكرخي ، ثم امتن اللّه سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي لا تحصى فقال :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ
أي خلقها لأجلكم ، قال الزجاج : الأنعام هنا الإبل خاصة ، وقيل : الأزواج الثمانية ، والأول هو الظاهر لأنها هي التي توجد فيها المنافع الآتية كلها ، وقوله :
لِتَرْكَبُوا مِنْها
تفصيل لهذا الإجمال ، ومن للتبعيض ، وكذلك في قوله :
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
أو لابتداء الغاية في الموضعين ومعناها ابتداء الركوب ، وابتداء الأكل ، والأول أولى . والمعنى لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها .
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ
أخر غير الركوب والأكل من الوبر والصوف والشعر ، والزبد والسمن والجبن ، والدر والنسل ، وغير ذلك
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ
قال مجاهد ومقاتل وقتادة : تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في سورة النحل :
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
أي على الإبل في البر ، وعلى السفن في البحر ، وقيل : المراد بالحمل على الأنعام هنا حمل الولدان والنساء في الهوادج ، وهو السر في فصله عن الركوب ، وفي الجمع بينهما من المناسبة التامة حتى سميت سفائن البر ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة النحل
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ
[ النحل : 5 ] الآية ، لكن هذه أجمع منها .
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
أي دلالاته الدالة على كمال قدرته ووحدانيته
فَأَيَّ
آية من
آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
فإنها كلها من الظهور ، وعدم الخفاء ، بحيث لا ينكرها منكر ، ولا يجحدها جاحد ، وفيه تقريع لهم وتوبيخ عظيم وتذكير أيّ أشهر من تأنيثه ، فلذلك لم يقل فأية آيات اللّه لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء الجامدة نحو حمار وحمارة غريب ، وهي في أي أغرب لإبهامها ، ونصب أي ب
تُنْكِرُونَ
وإنما قدم على العامل فيه لأن له صدر الكلام ، ثم أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار والتفكر في آيات اللّه فقال :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 82 إلى 85 ]

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 83 ) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 ) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ( 85 )
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 143 | صديق الحسيني القنوجي البخاري