تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ما يخاصم في دفع آيات اللّه وتكذيبها بالطعن فيها إلا الكفار ، والمراد الجدال بالباطل ، القصد إلى دحض الحق ، كما في قوله :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ،
فأما الجدال لاستيضاح الحق وإيضاح الملتبس ، وحل المشكل وتكذيبها ، وكشف المعضل ، واستنباط المعاني ، ورد أهل الزيغ بها ، ورفع اللبس ، والبحث عن الراجح والمرجوح ، وعن المحكم والمتشابه ، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن ، وردهم بالجدال إلى المحكم ، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون ، وأفضل ما يجاهد في سبيله المجاهدون ، وبذلك أخذ اللّه الميثاق على الذين أوتوا الكتاب فقال :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
[ آل عمران : 187 ] وقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
[ البقرة : 159 ] وقال :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ العنكبوت : 46 ] . فتلخص أن الجدال نوعان ، جدال في تقرير الحق ؛ وجدال في تقرير الباطل ؛ أما الأول فهو حرفة الأنبياء عليهم السّلام ، ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم نوح :
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا
[ هود : 32 ] وأما الثاني فهو مذموم ، وهو المراد بهذه الآية ، فجدالهم في آيات اللّه هو قولهم مرة هذا سحر ، ومرة شعر ، ومرة هو قول الكهنة ، ومرة
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ الأنعام : 25 ] ومرة
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
[ النحل : 103 ] وأشباه هذا قاله الكرخي . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن جدالا في القرآن كفر » « 1 » ، وعنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « المراء في القرآن كفر » ، أخرجه أبو داود وغيره . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « هاجرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب » « 2 » ، أخرجه مسلم ، قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 58 ، 478 ، 494 ، وأبو داود في السنة ، باب 4 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 4 ، وأحمد في المسند 2 / 286 ، 300 ، 424 ، 475 ، 503 ، 528 ، 4 / 170 ، 204 ، 205 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 106 | صديق الحسيني القنوجي البخاري