تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
ومعنى
أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
أن اتخذتهم عبيدا ، يقال عبّدته وأعبدته بمعنى كذا قال الفراء ، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من نعمة ، والجر بإضمار الباء ، والنصب بحذفها ، وعن مجاهد قال : عبدّت بني إسرائيل وقهرتهم واستعملتهم . وفيه أوجه سبعة ذكرها السمين .
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
أي لما سمع قول موسى وهارون
إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
قال مستفسرا لهما عن ذلك ، عازما على الاعتراض لما قالاه ، أي : أي شيء هو ؟ وجاء في الاستفهام ب ( ما ) التي يستفهم بها عن المجهول ، ويطلب بها تعيين الجنس . وقيل : معناه وما صفته ؟ تقول ما زيد ؟ أي طويل أم قصير ؟ فقيه أم طبيب ؟ نص عليه صاحب الكشاف وغيره . فلما قال فرعون ذلك
قالَ
موسى :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
أي بيّن الجنسين فعيّن له ما أراد بالعالمين ، وترك جواب ما سأل عنه فرعون لأنه سأل عن جنس رب العالمين ، ولا جنس له ، فأجابه موسى بما يدل على عظيم القدرة الإلهية التي تتضح لكل سامع أنه سبحانه الربّ ولا ربّ غيره ، وفيه إبطال لدعواه أنه إله .
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان ، لظهوره ، وإنارة دليله ، وهو العلم الذي يستفاد بالاستدلال ، ولذا لا يقال اللّه موقن .
قالَ
فرعون
لِمَنْ حَوْلَهُ
من أشراف قومه وهم خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
؟ ما قاله ، يعني موسى معجبا لهم من ضعف المقالة ، كأنه قال : أتسمعون وتعجبون ؟ يعني سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله ، أو يزعم أنه ربّ السماوات ، وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية ، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر ، والعدول عن الجواب المطابق متعين لاستحالته . فالسؤال عن الحقيقة سفه وعبث وحمق ، وهذا من اللعين مغالطة لما لم يجد جوابا عن الحجة التي أوردها عليه موسى ، فلما سمع موسى ما قاله فرعون أورد عليه حجة أخرى ، هي مندرجة تحت الحجة الأولى ، ولكنها أقرب إلى فهم السامعين .
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
وخص من العام المتقدم أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه . وهي أظهر دلالة على القادر فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب كما يدعيه . والمعنى أن هذا الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلق آباءكم الأولين وخلقكم ، فكيف تعبدون من هو واحد منكم ؟ مخلوق كخلقكم ، وله آباء قد فنوا كآبائكم ، فلم يجبه فرعون عند ذلك بشيء يعتدّ به ، بل جاء بما يشكك قومه ويخيل إليهم أن هذا الذي قاله موسى مما لا يقوله العقلاء .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 68 | صديق الحسيني القنوجي البخاري