إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
الابتلاء والبلاء الاختبار والمعنى إن هذا هو الاختبار الظاهر حيث اختبره اللّه في طاعته بذبح ابنه وقيل : إن هذا لهو النعمة الظاهرة حيث سلم اللّه ولده من الذبح وفداه بالكبش . يقال : أبلاه اللّه إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه والأول أولى وإن كان الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير والشر ومنه :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] ولكن المناسب للمقام المعنى الأول قال أبو زيد :
هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ولده ، قال : وهذا من البلاء المكروه .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 107 إلى 117 ]
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 )
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 ) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ ( 114 ) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 115 ) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 116 )
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ ( 117 )
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
الذبح اسم المذبوح ، وجمعه ذبوح كالطحن اسم للمطحون ، وبالفتح المصدر ، ومعنى عظيم عظيم القدر ، ولم يرد عظيم الجثة وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح أو لأنه متقبل ، قال النحاس : العظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف ، وأهل التفسير على أنه ههنا للشريف ، أي المتقبل ، قال الواحدي :
قال أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس : « أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا » ، وقال الحسن ما فدي إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه ، قال الزجاج : قد قيل إنه فدي بوعل والوعل التيس الجبلي ، ومعنى الآية جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح ، قال ابن عباس : بكبش عظيم متقبل ، قيل : قد بقي قرناه معلقين على الكعبة إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير ، قال الشعبي : رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة .
وقال ابن عباس : والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد يبس . انتهى . ومن المعلوم المقرر أن كل ما هو من الجنة لا تؤثر فيه النار فلم يطبخ لحم الكبش بل أكلته السباع والطيور تأمل .
قال أبو السعود : لما ذبحه السيد إبراهيم قال جبريل : اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر فقال الذبيح : لا إله إلا اللّه واللّه أكبر ، فقال إبراهيم : اللّه أكبر وللّه الحمد ، فبقي هذا سنة انتهى .
عن ابن عباس : « أن رجلا قال : نذرت لأذبح نفسي فقال ابن عباس :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] ثم تلا :
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
فأمره بكبش فذبحه » وقد استشهد أبو حنيفة بهذه الآية فيمن نذر بذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة .