وقرىء : أن ذكرتم بهمزة مفتوحة أي لأن ذكرتم ، والقراءات كلها سبعية ، ثم أضربوا عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سببا للشؤم أو مصححا للتوعد فقالوا :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
أي ليس الأمر كذلك ، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعصية ، فمن ثم أتاكم الشؤم من قبلكم . لا من قبل رسل اللّه وتذكيرهم ، أو بل أنتم مسرفون في تطيركم ، قاله قتادة . وقال يحيى بن سلام مسرفون في كفركم ، وقال ابن بحر : السرف هنا الفساد ، والإسراف في الأصل مجاوزة الحد في مخالفة الحق ، أي متجاوزون الحد بشرككم ، وهذا لا ينافي كون أهل أنطاكية أول المؤمنين برسل عيسى ، فإن الملك وقومه آمنوا وهلاك قاتلي حبيب لا يستلزم هلاك أهل أنطاكية .
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 20 إلى 24 ]
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ( 23 ) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 )
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ
وهي القرية السابق ذكرها وعبر عنها هنا بالمدينة إشارة لكبرها واتساعها
رَجُلٌ يَسْعى
هو حبيب بن مري وكان نجارا ، وقيل :
إسكافا ، وقيل قصارا ، وقال مجاهد ومقاتل : هو حبيب بن إسرائيل النجار ، وكان ينحت الأصنام ، وقال وهب : كان يعمل الحرير .
وقال قتادة : كان يعبد اللّه في غار فلما سمع بخبر الرسل جاء يسعى ، أي يشتد عدوا .
وقال ابن عباس : اسم صاحب يس حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه قال القرطبي :
وهو ممن آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما ، ولم يؤمن أحد بنبي غير نبينا ، صلّى اللّه عليه وسلم إلا بعد ظهوره وأما نبينا فآمن به قبل ظهوره كثير ، انتهى . وفيه من البعد والضعف ما لا يخفى ويدفعه قوله سبحانه :
قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
أي رسل عيسى عليه السلام ، ولم يذكر نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ولا دلت الآية عليه والجملة مستأنفة كأنه قبل فماذا قال لهم عند مجيئه ؟ فقيل : قال الخ ، أي اتبعوا هؤلاء الذين أرسلوا إليكم فإنهم جاؤوا بحق ،
ثم أكد ذلك وكرره فقال :
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ
بدل من المرسلين بإعادة العامل أو تابع له
أَجْراً
على ما جاؤوكم به من الهدى
وَهُمْ
أي الرسل
مُهْتَدُونَ
ولو كانوا متهمين بعدم الصدق لسألوكم المال ، فاهتدوا أنتم أيضا تبعا لهم ،
ثم أبرز الكلام في معرض النصيحة لنفسه ، وهو يريد مناصحة قومه فقال :