اللّه وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات فأمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه على يديه من المعجزات الخارقة ، فيأنس بها فقال :
وَأَلْقِ
عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق
عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ
جملة حالية من هاء ( رآها ) لأن الرؤية بصرية وقوله
كَأَنَّها جَانٌّ
يجوز أن تكون حالا ثانية وأن تكون حالا من ضمير ( تهتز ) فتكون حالا متداخلة ، قاله السمين .
قال الزجاج : صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان وهو الحية البيضاء ، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها وإلا فجثتها كانت كبيرة جدا : وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها ، وجمع الجان جنان ، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم ، وقال الكلبي :
لا صغيرة ولا كبيرة . والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ، ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل : فألقاها فانقلبت حية تسعى ، فأبصرها .
فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب
وَلَّى مُدْبِراً
من الخوف
وَلَمْ يُعَقِّبْ
أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر ، يقال : عقب فلان إذا رجع وكل راجع معقب ، وقيل : لم يقف ولم يلتفت ولم يعطف ، ولم ينظر ، والأول أولى .
لأن التعقيب هو الكر بعد الفر ، وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله :
يا مُوسى لا تَخَفْ
من غيري أي : من الحية وضررها ثقة بي أو لا تخف مطلقا .
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
أي : لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي ، من حية وغيرها ، فلا تخف ، أنت عندي . قيل : ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات ، بل في وقت الخطاب لهم ، والإيحاء والإرسال ؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون في مطالعة شؤون اللّه عز وجل ، لا يخطر ببالهم خوف من شيء وأما في غير هذه الحالة فالمرسلون أخوف الناس منه تعالى . أو المعنى لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه ،
ثم استثنى استثناء منقطعا فقال :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية
ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً
أي : توبة وندما أتاه
بَعْدَ سُوءٍ
أي بعد عمل سوء
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
أقبل التوبة وأغفر له ؛ وقيل : الاستثناء من مقدر ، أي لا يخاف لدي المرسلون ، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم « إلا من ظلم الخ » ، كذا قال الفراء . وقال النحاس : الاستثناء من محذوف محال ، لأنه استثناء من شيء لم يذكر . وعن الفراء أن ( إلا ) بمعنى الواو .
وقيل : إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف ، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد ، واختار هذا النحاس ، وقال : علم من عصاه منهم فاستثناه فقال إلا من ظلم ، وإن كنت قد غفرت له كآدم ، وداود .