تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وحدانيته سبحانه وهو نتيجة ما قبله ، ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال :
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ
جاحدة للوحدانية لا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
عن قبول الحق متعظمون عن الاذعان للصواب مستمرون على الجحد .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 23 إلى 26 ]

لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( 23 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 25 ) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 )
لا جَرَمَ
قال الخليل : هي كلمة تحقيق ولا يكون إلا جوابا أي حقا ، قلت لا نافية وجرم بمعنى بد ، وهذا بحسب الأصل ، وأما الآن فقد ركبت لا مع جرم تركيب خمسة عشر وجعلا بمعنى كلمة واحدة ، وتلك الكلمة مصدر أو فعل معناه حق وثبت . وقوله :
أَنَّ اللَّهَ
فاعل لا جرم وقد مر تحقيق الكلام في لا جرم بأبسط من هذا قال أبو مالك لا جرم ، يعني الحق ، وقال الضحاك لا كذب
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ
من أقوالهم وأفعالهم
وَما يُعْلِنُونَ
من ذلك
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
أي لا يحب هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد اللّه والاستجابة لأنبيائه ، والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدم . أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ، فقال رجل يا رسول اللّه الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ؛ فقال : « إن اللّه جميل يحب الجمال ؛ الكبر من بطر الحق وغمط الناس » « 1 » . وفي ذم الكبر ومدح التواضع أحاديث كثيرة ، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة ، فقد روي عن الحسين بن علي أنه مرّ بمساكين قد قدموا كسرا لهم وهم يأكلون فقالوا الغذاء يا أبا عبد اللّه فنزل وجلس معهم وقال : إنه لا يحب المستكبرين ثم أكل فلما فرغوا قال : قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم فانصرفوا . قال العلماء ؛ كل ذنب يمكن ستره واخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الاعلان وهو
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 147 ، 148 ، 149 ، وأبو داود في اللباس باب 26 ، والترمذي في البر باب 61 .