السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى .
وأخرج ابن مردويه عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدة فقال : « أطت السماء ، ويحقها أن تئط ، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلى فيه جبهة ملك ساجد يسبح اللّه بحمد » « 1 » .
ثم زاد ذلك تعميما وتأكيدا فقال :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
متلبسا
بِحَمْدِهِ
فيشمل كل ما يسمى شيئا كائنا ما كان حتى صرير الباب ونقيض السقف وتسبيحها سبحان اللّه وبحمده . وقيل إنه يحمل قوله ومن فيهن على الملائكة والثقلين ويحمل قوله وإن من شيء على ما عدا ذلك من المخلوقات .
وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا ، فقالت طائفة ليس بمخصوص ، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدل غيره بأن اللّه خالق قادر .
وقالت طائفة هذا التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره ، والمراد أن كل المخلوقات تسبح للّه هذا التسبيح الذي معناه التنزيه ، وإن كان البشر لا يسمعون ذلك لكونهم محجوبين عن سماعه ولا يفهمونه لكونه بغير لغاتهم .
وهذا يقتضي أن تسبيح الجماد بلسان المقال وهو الذي اختاره الخازن واثبته بأحاديث متعددة ، قال في الجمل وهو قريب جدا ، ويؤيد هذا قوله سبحانه
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ
بالتاء والياء
تَسْبِيحَهُمْ
فإنه لو كان المراد تسبيح الدلالة لكان أمرا مفهوما لكل أحد .
وأجيب بأن المراد بقوله
لا تَفْقَهُونَ
الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار وقالت طائفة : هذا العموم مخصوص بالملائكة والثقلين دون الجمادات ، وقيل خاص بالأجسام النامية فيدخل النباتات ، كما روي هذا القول عن عكرمة والحسن وخص تسبيح النباتات بوقت نموها لا بعد قطعها .
وقد استدل لذلك بحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مر على قبرين وفيه « ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين وقال إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا » « 2 » ويؤيد حمل الآية على العموم
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 9 ، وابن ماجة في الزهد باب 19 ، وأحمد في المسند 5 / 173 ، بلفظ : « أطّت السماء وحق لها أن تئطّ » .
( 2 ) أخرجه البخاري في الوضوء باب 55 ، 56 ، والجنائز باب 82 ، 89 ، والأدب باب 46 ، 49 ، ومسلم في الطهارة حديث 111 ، وأبو داود في الطهارة باب 11 ، والنسائي في الطهارة باب 26 ، والجنائز باب 116 ، والدارمي في الوضوء باب 61 ، وأحمد في المسند 1 / 225 .