تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وأهل المعصية وأهل الطاعة ، لا نؤثر معصية العاصي في قطع رزقه ، وما به الإمداد هو ما عجله لمن يريد الدنيا وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد الآخرة . وفي قوله
مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ
إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل ، وهو متعلق بنمد
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
أي ممنوعا عن أحد ، قاله الضحاك . أي ممنوعا عن أحد ، قاله الضحاك . يقال حظره يحظره حظرا منعه ، وكل ما حال بينك وبين شيء فقد حظره عليك ، والمراد بالعطاء العطاء في الدنيا كالرزق والجاه إذ لاحظ للكافر في الآخرة . قال الزجاج : علم اللّه سبحانه أنه يعطي المسلم والكافر وأنه يرزقهم جميعا . وقال الحسن : كل يرزقه اللّه في الدنيا البر والفاجر وقال ابن عباس : يرزق اللّه من أراد الدنيا ويرزق من أراد الآخرة .
انْظُرْ
يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من له أهلية النظر والاعتبار . وهذه الجملة مقررة لما مر من الإمداد وموضحة له ، والمعنى انظر
كَيْفَ فَضَّلْنا
في العطايا العاجلة
بَعْضَهُمْ
أي بعض العباد
عَلى بَعْضٍ
فمن غني وفقير ، وقوي وضعيف ، وصحيح ومريض ، وعاقل وأحمق ، وذلك لحكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها .
وَلَلْآخِرَةُ
اللام لام ابتداء أو قسم
أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
من الدنيا وذلك لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا ، وليس للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار ، فلهذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا . وقيل المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار ، فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين . وحاصل المعنى أن التفاضل في الآخرة ودرجاتها فوق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما ، وثبت في الصحيحين « أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء » « 1 » . ثم لما أجمل سبحانه أعماله البر في قوله
وَسَعى لَها سَعْيَها
وهو مؤمن أخذ في تفصيل ذلك مبتدئا بأشرفها الذي هو التوحيد فقال
لا تَجْعَلْ
الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد به أمته تهييجا وإلهابا أو لكل مكلف متأهل له صالح لتوجيهه إليه . وقيل التقدير قل لكل مكلف لا تجعل
مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ
النصب على
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 8 ، والرقاق باب 51 ، ومسلم في الجنة حديث 11 ، وأحمد في المسند 3 / 61 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 117 | صديق الحسيني القنوجي البخاري