وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
أي صدقا من غير ريب دون من آمن وسكن دار الشرك ، وفي الحديث المتفق على صحته بل المتواتر « المرء مع من أحب » « 1 » ونصب حقا على المصدر المؤكد أو تقديره إيمانا حقا ، قاله في جامع البيان .
وقال أبو السعود : كلام مسوق للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم اه . والحاصل أنهم هم الكاملون في الإيمان لأنهم حققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن ، والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى ، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء ، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة .
ثم أخبر سبحانه أن
لَهُمْ
منه
مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم في الآخرة
وَ
لهم في الدنيا
رِزْقٌ كَرِيمٌ
خالص عن الكدر طيب مستلذ لا تبعة له ولا منة فيه .
ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتسم بسيمتهم فقال :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ
اختلف في قوله :
مِنْ بَعْدُ
فقيل من بعد الحديبية وبيعة الرضوان .
قال القرطبي : وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى ، والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة اه . وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل من بعد غزوة بدر ، وقال الخازن :
الأصح أن المراد بهم أهل الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة قد انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح .
فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
أي مثلكم في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم ، لكن فيه دليل على أن مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن اللّه تعالى ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم معهم ، وذلك معرض المدح والشرف ، ولولا أن الأولين أفضل وأشرف لما صح هذا الإلحاق .
قال في الجمل : ولم ينبهوا هنا على حكم التوارث بالهجرة الثانية هل هو ثابت
هامش
( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الأدب باب 96 ، ومسلم في البر حديث 165 ، والترمذي في الزهد باب 50 ، والدعوات باب 98 ، والدارمي في الرقاق باب 71 ، وأحمد في المسند 1 / 391 ، 3 / 104 ، 110 : 159 ، 165 ، 167 ، 168 ، 172 ، 173 ، 178 ، 192 ، 198 ، 200 ، 202 ، 203 ، 207 ، 208 ، 222 ، 226 ، 227 ، 228 ، 255 ، 268 ، 286 ، 283 ، 288 ، 336 ، 394 ، 4 / 107 ، 160 ، 239 ، 241 ، 392 ، 395 ، 398 ، 405 .