وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر عند اللقاء .
وقيل إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
[ البقرة : 233 ]
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ
[ البقرة : 228 ] فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة اللّه سبحانه بأن يثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم .
وفي الخطيب حاصل هذه العبارة المطولة أن الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في العدول إلى تلك .
أجيب بأن هذا إيماء ورد على وفق الواقعة فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبعث السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر اللّه هذين العددين .
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
أي أن هذا الغلب بسبب جهلهم باللّه وباليوم الآخر وعدم فقههم ، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة ، ولا يقاتلون احتسابا وأمثالا لأمر اللّه تعالى وعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعله المؤمنون ، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان ، وإثارة ثائرة البغي والعدوان ، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب .
ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
عن قتال عشرة أمثالكم ، قرىء بضم الضاد وفتحها
فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
منهم
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ
فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار .
قال سفيان وابن شبرمة : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم ، وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب المائة للمائتين والألف للألفين أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف .
ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو
بِإِذْنِ اللَّهِ
وتسهيله وتيسيره وإرادته لا بقوتهم وجلادتهم ، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين فقال :
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
بعونه ، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر لأن من كان اللّه معه لم يستقم لأحد أن يغلبه .
وعن النصرباذي : أن هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو الذي يقول : بك أصول وبك أجول ، ومن كان كذا لا يثقل عليه شيء حتى يخفف ، وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ أم لا ولا يتعلق بذلك كثير فائدة .