فِي الْأَرْضِ
أي ما داموا في الدنيا والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها أو بشغلهم بزينة الدنيا وحبها عن فعل ما أمرهم اللّه به فلا يلتفتون إلى غيرها .
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية وأحملهم عليها بالقاء الوسوسة في قلوبهم ، وذلك أن إبليس لما علم أنه يموت على الكفر غير مغفور له حرص على إضلال الخلق بالكفر واغوائهم ، وفي الآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال وحملهم على التسبب عدول عن الظاهر .
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
أي الذين استخلصتهم من العباد أو الذين أخلصوا لك العبادة والطاعة فلم يقصدوا بها غيرك ، وإنما استثناهم لأنه علم أن كيده ووسوسته لا تعمل فيهم ولا يقبلون منه وحقيقة الاخلاص فعل الشيء خالصا للّه عن شائبة الغير .
قالَ
اللّه تعالى :
هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
لا عوج فيه والمعنى حق عليّ أن أراعيه واحفظه وهو أن لا يكون لك على عبادي سلطان ، فالكلام على التشبيه عند أهل السنة كما في قوله تعالى :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الروم : 47 ] إذ لا تجب رعاية الأصلح عندنا ، وقيل قال الكسائي : هذا على الوعيد والتهديد كقولك لمن تهدده : طريقك عليّ ومصيرك إليّ وكقوله :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
[ الفجر : 14 ] فكان معنى هذا الكلام هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلا بعمله .
وقيل
عَلَيَّ
هنا بمعنى « إلي » وقيل المعنى على أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والحجة ، وقيل التوفيق والهداية ، وقيل عائد إلى الاخلاص أي أن الاخلاص طريق عليّ وإليّ يؤدي إلى كرامتي ورضواني .
وقال أبو السعود : والأظهر أن ذلك رد لما وقع في عبارة إبليس حيث قال :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
[ الأعراف :
16 ، 17 ] الآية ، وقرأ عليّ على أنه صفة مشبهة ومعناه رفيع .
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
المراد بالعباد هنا هم المخلصون ، والمراد أنه لا تسلط أنت عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه ، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء أو نحوهما فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه قال أهل المعاني معنى
عَلَيْهِمْ
على قلوبهم ، وقال سفيان بن عيينة : معناه ليس لك عليهم قوة وقدرة على أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي ، وهؤلاء خاصته أي الذين هداههم واجتباهم من عباده .
إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ
استثنى سبحانه من عباده هؤلاء وهم المتبعون لإبليس
مِنَ الْغاوِينَ
عن طريق الحق الواقعين في الضلال وهو موافق لما قاله إبليس اللعين في قوله :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
.