يريده ليظهر الحق ويرفعه وهو الإسلام ، ويبطل الباطل ، ويضعه وهو الكفر ، أو فعل ذلك ليحق الحق .
وليس في هذه الجملة تكرير لما قبلها لأن الأولى لبيان التفاوت فيما بين الإرادتين ، وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك ، والعلة المقتضية له والمصلحة المترتبة عليه ، وقيل لا يقال فيه تحصيل الحاصل إذ المراد بالحق الإيمان ، وبالباطل الشرك وقيل المراد بالأول تثبيت ما وعد به في هذه الواقعة من النصرة والظفر بالأعداء ، وبالثاني تقوية الدين وإظهار الشريعة لأن الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم ، ومن قهر الكافرين مع كثرتهم كان سببا لإعزاز الدين وقوته ولهذا قرنه بقوله ويبطل الباطل .
وَلَوْ كَرِهَ
أن يحق الحق ويبطل الباطل
الْمُجْرِمُونَ
أي المشركون من قريش أو جميع طوائف الكفار ، ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب الحديث والسير والتواريخ مستوفاة فلا نطيل بذكرها .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
أي اذكروا وقت استغاثتكم ، تذكير لهم بنعمة أخرى والمقام للماضي ، وإنما عبر بالمضارع حكاية للحال الماضية أي إذ تستغيثون بربكم من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر ، والاستغاثة طلب الغوث يقال استغاثني فلان فأغثته والاسم الغياث .
والمعنى أن المسلمين لما علموا أنه لا بد من قتال الطائفة ذات الشوكة وهم النفير كما أمرهم اللّه بذلك وأراده منهم ، ورأوا كثرة عدد النفير وقلة عددهم استغاثوا باللّه سبحانه ، وهو معنى قول الأزهري ، وقيل المستغيث هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحده ، وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما له .
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أن عدد المشركين يوم بدر ألف ، وعدد المسلمين ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا ، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما رأى ذلك استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : « اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم أن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض » فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي اللّه كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية « 1 » .
فَاسْتَجابَ لَكُمْ
عطف على
تَسْتَغِيثُونَ
داخل معه في التذكير وهو وإن كان
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 58 ، وأحمد في المسند 1 / 30 ، 32 .