تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
واختلفوا في هؤلاء فقيل هم القوم الذين بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى قبل التحريف والتبديل ودعوا الناس إليه ، وقال الكلبي والضحاك والربيع : هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ، ويصحون في النهار ويزرعون ولا يصل إليهم أحد منا وهم على الحق إلى آخر القصة ، وما أبعدها عن الصحة وأقربها إلى الوضع ، وقد ابتلى بذكرها جمع من المفسرين الذين ليس لهم معرفة بعلم الحديث . وقيل هم الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن . وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال موسى : يا رب أجد أمة أناجيلهم في قلوبهم قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد ، قال : يا رب أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهن ، قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد ، قال : يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون قال : تلك أمة بعدك أمة أحمد قال : يا رب اجعلني من أمة أحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه كهيئة المرضية لموسى
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ
الآية .
وَقَطَّعْناهُمُ
الضمير يرجع إلى قوم موسى المتقدم ذكرهم لا إلى هؤلاء الأمة منهم الذين يهدون بالحق ، والمعنى صيرناهم
اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً
أي قطعا متفرقة وفرقناهم معدودين بهذا العدد وميزنا بعضهم من بعض . وهذا من جملة ما قصه اللّه علينا من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل وأنه ميز بعضهم من بعض حتى صاروا أسباطا كل سبط معروف على انفراده ، لكل سبط نقيب كما في قوله تعالى :
وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
[ المائدة : 12 ] . والأسباط جمع سبط وهو ولد الولد صاروا اثني عشر أمة من اثني عشر ولدا ، وأراد بالأسباط القبائل ولهذا انث العدد ، والمراد أولاد يعقوب لأن يعقوب هو إسرائيل وأولاده الأسباط وقد تقدم تحقيق معنى الأسباط في البقرة . وسماهم
أُمَماً
لأن كل سبط كان جماعة كثيرة العدد وكانوا مختلفي الآراء يؤم بعضهم غير ما يؤمه الآخر . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، ولتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، فأما اليهود فإن اللّه يقول :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
فهذه التي تنجو ، وأما النصارى فإن اللّه يقول :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ
[ المائدة : 66 ] فهذه التي تنجو ، وأما نحن فيقول :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ