تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي
هذا ذم من موسى لقومه أي بئس العمل ما عملتموه من بعد غيبتي عنكم وفراقي إياكم ، يقال : خلفه بخير ، وخلفه بشر ، استنكر عليهم ما فعلوه وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الانزجار ، والإيمان باللّه وحده ، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلوّن حالهم واضطراب أفعالهم . ثم قال منكرا عليهم
أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ
العجلة التقدم بالشيء قبل وقته يقال : عجلت الشيء سبقته وأعجلت الرجل حملته على العجلة ، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول وقته ، والمعنى أعجلتم عن انتظار أمر ربكم أي ميعاده الذي وعدنيه وهو الأربعون ففعلتم ما فعلتم ، قاله الحسن وقيل معناه تعجلتم سخط ربكم وقيل معناه أعجلتم وأسبقتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ، قاله الكلبي ، وقيل معنى أعجلتم تركتم والأول أولى .
وَأَلْقَى الْأَلْواحَ
التي فيها التوراة أي طرحها لما اعتراه من شدة الغضب والأسف وفرط الزجر حمية للدين حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل ، قال ابن عباس : لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها . وعنه كما أخرج أبو الشيخ رفع اللّه منها ستة أسباعها وبقي سبع ، وقال مجاهد : لما ألقاها موسى ذهب التفصيل يعني أخبار الغيب ، وبقي الهدى أي ما فيه المواعظ والأحكام ، عن ابن جريج قال : كانت تسعة رفع منها لوحان وبقي سبعة وفي زاده : المراد بإلقائها أنه وضعها في موضع ليتفرغ لما قصده من مكالمة قومه لا رغبة عنها فلما عاد إليها أخذها بعينها .
وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ
هارون أو بشعر رأسه ولحيته حال كونه
يَجُرُّهُ
إليه من شدة غضبه لا هوانا به قال ابن الأنباري : مد يده إلى رأسه لشدة وجده عليه وفعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامري ولا غير ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل .
قالَ
هارون معتذرا منه يا
ابْنَ أُمَّ
إنما قال هذا مع كونه أخاه لأبيه وأمه لأنها كلمة لين ورفق وعطف ، ولأن حق الأم أعظم وأحق بالمراعاة وقد قاست فيه المخاوف والشدائد مع أنها كما قيل كانت مؤمنة ، وقال الزجاج : قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه ، قال أبو السعود : وكان أكبر بثلاث سنين وكان حمولا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل .
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي
أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين استضعافهم لي ومقاربتهم لقتلي ، مع إني لم آل جهدا في كفهم بالوعظ والإنذار .
فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ
الشماتة : أصلها الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال : شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه نزل به ، والمعنى لا تسر الأعداء بما تفعل بي من