وعبارة الخفاجي العرش هو فلك الأفلاك إما حقيقة لأنه بمعنى المرتفع أو استعارة من عرش الملك وهو سريره ومنه رفع أبويه على العرش ، أو بمعنى الملك بضم الميم وسكون اللام ، ومنه ثل عرشه إذا انتقض ملكه واختل انتهى .
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما وهو المراد هنا ، قال الراغب : وعرش اللّه عز وجل مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة ، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له ، تعالى اللّه عن ذلك وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب .
قيل والمراد به هنا هو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيطة بكلها .
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
أي يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطي بظلمته ضياءه قرىء يغشي بالتشديد والتخفيف وهما لغتان ، يقال أغشى يغشي غشي يغشي والتغشية في الأصل إلباس الشيء الشيء ، ولم يذكر في هذه الآية يغشي الليل والنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] أو لدلالة الحال عليه أو لأن اللفظ يحتملهما بجعل الليل مفعولا أولا والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس .
وذكر في آية أخرى
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
[ الزمر : 5 ] ذكره الكرخي ، والتقدير استوى على العرش مغشيا الليل والنهار .
والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي ، والنهار هو المفعول من غير عكس .
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
أي حال كون الليل طالبا للنهار لا يفتر عنه بحال ، والحث الحمل على فعل الشيء كالحض عليه والاستعجال والسرعة ، يقال ولى حثيثا أي مسرعا ، والحث والحض أخوان يقال حثثت فلانا فاحتث فهو حثيث ومحثوث وفعله من باب رد .
قال الرازي : إنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة الشديدة وذلك أن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة ، فإن الإنسان إذ كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل وهي ألف فرسخ . ولهذا قال يطلبه حثيثا لسرعته وحركته أي يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما بشيء ، والجملة حال من الليل لأنه هو المحدث عنه أي يغشي النهار طالبا له أو من النهار أي مطلوبا أو من كل منهما وعليه الجلال .
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
أي خلقها حال كونها مسخرات