وقيل كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب وقال مجاهد تعودون أي شقي وسعيد .
وقال ابن عباس : إن اللّه بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا كما قال
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا ، وعن جابر قال : يبعثون على ما كانوا عليه ، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه ، وقال الحسن ومجاهد : المعنى كما خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا فأحياكم ثم يميتكم كذلك تعودون أحياء يوم القيامة .
ويدل له ما روى عن ابن عباس : قال قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بموعظة فقال :
« أيها الناس إنكم تحشرون إلى اللّه عزّ وجلّ حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم .
فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
أي تعودون فريقين سعداء وأشقياء ، وفي القاموس الفرقة بالكسر الطائفة من الناس . والجمع فرق . والفريق كالأمير أكثر منها والجمع أفرقاء وأفرقة وفروق ، والفريق الذي هداه اللّه هم المؤمنون باللّه المتبعون لأنبيائه ، والفريق الذي حقت عليه الضلالة هم الكفار .
عن جابر أنه ذكر القدرية فقال : قاتلهم اللّه أليس قد قال اللّه سبحانه
فَرِيقاً هَدى
الآية وفيه دليل على أن الهدى والضلالة من اللّه ، وعن ابن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل » « 2 » أخرجه الترمذي .
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
تعليل لقوله وفريقا حق عليهم الضلالة أي ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية اللّه .
وَ
مع هذا فإنهم
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة ، وهذا أشد في تمردهم وعنادهم .
والآية حجة على أهل الاعتزال في كون الهداية والإضلال إلى اللّه ذي الجلال ، وفيه دليل أيضا على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق ، والجاحد والمعاند في الكفر سواء ، ودلت هذه الآية على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين بل لا بدّ من الجزم والقطع ، لأنه تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين ، ولولا أن هذا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 8 ، 48 ، وتفسير سورة 5 ، باب 14 ، ومسلم في الجنة حديث 56 ، والترمذي في القيامة باب 3 ، والنسائي في الجنائز باب 119 ، وأحمد في المسند 1 / 223 ، 229 ، 235 ، 253 ، 3 / 495 ، 6 / 53 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في الإيمان باب 18 ، وأحمد في المسند 2 / 176 ، 197 .