على فساد قول النصارى
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يخفى عليه من مخلوقاته خافية .
ذلِكُمُ
أي المتصف بالأوصاف السابقة
اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
أي مما سيكون كما خلق في الماضي فلا تكرار ، يعني من كانت هذه صفاته فهو الحقيق بالعبادة
فَاعْبُدُوهُ
ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
أي رقيب حفيظ .
لا تُدْرِكُهُ
أي لا تراه
الْأَبْصارُ
جمع بصر وهو حاسة النظر أي القوة الباصرة ، وقد يقال للعين من حيث إنها محلها أي الحاسة ، وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به ، قال الزجاج : أي لا يبلغ كنه حقيقته ، فالأبصار ترى الباري عز اسمه ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به ، قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار ، وقال ابن عباس : كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به ، فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية فقد ثبتت الأحاديث المتواترة تواترا لا شك فيه ولا شبهة ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلا عظيما .
والحاصل أنه لا متمسك فيه لمنكري الرؤية على الإطلاق .
وأيضا قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار ، وهي أبصار الكفار ، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة ، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب ، والأول يخلفه الجزئية ، والتقدير لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين ، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 22 ، 23 ] .
وقد تشبث قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية ولا يستتب ذلك كما تقدمت الإشارة إليه ، على أن مورد الآية التمدح وهو يجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه ، لأن كل ما لا يرى لا يدرك وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية فكانت الحجة لنا عليهم ، ولو أمعنوا النظر فيها لاغتنموا التقصي عن عهدتها ، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي كونه تعالى معلوما موجودا ، والكلام في ذلك يطول جدا .
وقد أطال الواحد المتكلم الحافظ ابن القيم رحمه اللّه في حادي الأرواح في إثبات الرؤية ورد المنكرين لها . والشوكاني في البغية في مسألة الرؤية بما لا مزيد عليه ، وعن ابن عباس ذلك نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء ، وفي لفظ إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر ، وقال أيضا لا يحيط بصر أحد باللّه ، وقال الحسن :
لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة ، وعن إسماعيل بن علية مثله .