تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
أي ما كسبتم بجوارحكم من الخير والشر ، والتقييد بالظرفين جرى على الغالب إذ الغالب أن النوم في الليل والكسب في النهار
ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ
أي في النهار يعني اليقظة برد أرواحكم ، قال القاضي : أطلق البعث ترشيحا للتوفي ، وقيل يبعثكم من القبور فيه أي في شأن ذلك الذي قطعتم فيه أعماركم من النوم بالليل والكسب بالنهار . وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير هو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه ، وقيل ثم يبعثكم فيه أي في المنام ومعنى الآية إن إمهاله تعالى للكفار ليس للغفلة عن كفرهم فإنه عالم بذلك ولكن :
لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى
أي معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق ، وقال مجاهد هو الموت
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
أي رجوعكم بعد الموت
ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته .
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
قيل المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية أي العالي عليهم بقدرته لأن كل من قهر شيئا وغلبه فهو مستعل عليه بالقهر ، والمعنى أنه هو الغالب المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا إلى غير ذلك ، وقيل هو صفة للّه تعالى وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمتها يمرونها كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا تعطيل أي فوقية تليق بحاله وهو الحق ، وقد تقدم بيانه في أول السورة .
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
أي ملائكة جعلهم اللّه حافظين لكم ، ومنه قوله تعالى :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ
[ الانفطار : 10 ] والمعنى أنه يرسل عليكم من يحفظكم من الآفات ويحفظ أعمالكم ، قال السدي : هم المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله ، والحفظة جمع حافظ مثل كتبة جمع كاتب ، وعليكم متعلق بيرسل لما فيه من معنى الاستعلاء وتقديمه على حفظة ليفيد العناية بشأنه وإنه أمر حقيق بذلك ، وقيل هو متعلق بحفظة .
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
يحتمل أن تكون حتى للغاية ويحتمل أن تكون للابتداء ، والمراد بمجيء الموت مجيء علامته ، والرسل هم أعوان ملك الموت من الملائكة ؛ قاله ابن عباس ، ومعنى توفته استوفت روحه وقيل المراد ملك الموت وحده ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له .
وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ
أي لا يقصرون ولا يضيعون وأصله من التقدم ، وقال أبو عبيدة : لا يتوانون وقرىء لا يفرطون بالتخفيف أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة .