فنزل بهم وأحاط بهم وحل
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء ، به وقيل هو الرسول وقيل العذاب .
قُلْ
يا محمد لهؤلاء المستهزئين
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
أي سافروا فيها معتبرين ومتفكرين ، وقيل هو سير الأقدام
ثُمَّ انْظُرُوا
بأعينكم آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبة أو نظر فكرة وعبرة وهو بالبصيرة لا بالبصر .
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
بعدما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم عليه فهذه ديارهم خربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم مكفهرة ، فإذا كانت عاقبتهم هذه العاقبة فأنتم بهم لاحقون وبعد هلاكهم هالكون ، والعاقبة مصدر أي منتهى الشيء وما يصير إليه والعاقبة إذا أطلقت اختصت بالثواب وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة فصح أن تكون استعارة كقوله
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] .
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هذا احتجاج عليهم قاطع ، وتبكيت لهم ساطع ، لا يقدرون على التخلص منه أصلا و
لِمَنْ
خبر مقدم والمبتدأ ما وهي بمعنى الذي ، وجملة
قُلْ لِلَّهِ
تقرير لهم وتنبيه على أنه المتعين للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق به قوله
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ لقمان : 25 ] . وإذا ثبت أن له ما في السماوات والأرض إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم فاللّه قادر على أن يعاجلهم بالعقوبة ولكنه
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أي :
وعد بها فضلا منه وتكرما لا أنه مستحق عليه وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده وارتفاع الوسائط دونه . وفي الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه رحيم بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة ، ومن رحمته لهم إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأدلة .
وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن سلمان عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « خلق اللّه يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسعة وتسعون ليوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة » « 1 » .
وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لما قضى اللّه الخلق وكتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي » « 2 » وقد روي من طرق أخرى بنحو هذا .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 19 ، ومسلم في التوبة حديث 17 ، 20 ، والترمذي في الدعوات باب 99 ، وابن ماجة في الزهد باب 35 ، والدارمي في الرقاق باب 69 ، وأحمد في المسند 2 / 334 ، 434 ، 484 ، 526 ، 3 / 55 ، 56 ، 5 / 439 .
( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 15 ، 22 ، 28 ، 55 ، وبدء الخلق باب 1 ، ومسلم في التوبة -