وحكى ابن جرير في تفسيره عن بعض أهل العلم أن هذه الآية أعني آية المحاربة نسخت فعل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في العرنيين ، ووقف الأمر على هذه الحدود .
وروي عن محمد بن سيرين أنه قال : كان هذا قبل أن ينزل الحدود يعني فعله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالعرنيين ، وبهذا قال جماعة من أهل العلم ، وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله صلى اللّه عليه وسلم بالعرنيين منسوخ بنهي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن المثلة ، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ .
والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره ممن ارتكب ما تضمنته ولا اعتبار بخصوص السبب بل الاعتبار بعموم اللفظ .
قال القرطبي في تفسيره : ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مرتب على المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود انتهى .
ومعنى قوله مرتب أي ثابت ، قيل المراد بمحاربة اللّه المذكورة في الآية هي محاربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ومحاربة المسلمين في عصره ومن بعد عصره بطريق العبارة دون الدلالة ودون القياس ، لأن ورود النص ليس بطريق المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر .
وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة للّه ولرسوله إكبارا لحربهم وتعظيما لأذّيتهم ، لأن اللّه سبحانه لا يحارب ولا يغالب ، والأولى أن تفسر محاربة اللّه سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه . ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي وحكم أمته حكمه وهم أسوته .
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
بحمل السلاح والخروج على الناس وقتل النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق ، والسعي فيها فسادا يطلق على أنواع من الشرك كما قدمنا قريبا ، وانتصاب فسادا على المصدرية أو على أنه مفعول له أي للفساد أو على الحال بالتأويل أي مفسدين .
وقال ابن كثير في تفسيره : قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب أن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض ، وقد قال تعالى :
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
[ البقرة : 205 ] انتهى .
وإذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي في الأرض فسادا فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك ، سواء كان مسلما أو كافرا ، في مصر أو غير ، في قليل وكثير وجليل وحقير ، وأن حكم اللّه في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض .
ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب بل من كان ذنبه هو