تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
وهذا تعليل ثان لامتناعه من المقاتلة بعد التعليل الأول ، واختلف المفسرون في المعنى فقيل أراد هابيل أني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك ، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي ، وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب سيئآتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي ، وتبوء بإثمك في قتلي . وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئآت المظلوم فتطرح عليه » ، ومثله قوله تعالى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] وقيل المعنى أني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
[ النحل : 15 ] أي أن لا تميد بكم ، وقوله :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء : 176 ] أي أن لا تضلوا . وقال أكثر العلماء : إن المعنى أني أريد أن تبوء بإثمي أي بإثم قتلك لي وإثمك الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي ، قال الثعلبي هذا قول عامة المفسرين . وقيل المعنى أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك فحذف المضاف ، وقيل هو على وجه الإنكار كقوله تعالى :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
[ الشعراء : 22 ] أي أو تلك نعمة ، قاله القشيري ووجهه بأن إرادة القتل معصية . وسئل أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار فقال : وقعت الإرادة بعدما بسط يده إليه بالقتل ، وهذا بعيد جدا وكذلك الذي قبله ، وقال الزمخشري : ليس ذلك بحقيقة الإرادة لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطّن نفسه على الاستسلام للقتل طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا ، وإن لم يكن مريدا حقيقة إه وأصلة باء رجع إلى المباءة وهي المنزل
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
[ البقرة : 61 ] أي رجعوا .
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
أي الملازمين لها
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
أي جهنم جزاء من قتل أخاه ظلما .
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ
أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وزينت له وصورت له
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 246 | صديق الحسيني القنوجي البخاري