إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ
أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جعله أو اذكروا نعمته كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء ذوي عدد كثير ، وأولي شأن خطير ، حيث لم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء .
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
أي فيكم ومنكم ، وإنما حذف الظرف لظهور أن معنى الكلام على تقديره ، ويمكن أن يقال : إن منصب النبوة لما كان لعظم قدره وجلالة رتبته بحيث لا ينسب إلى غيره من هو له قال فيه :
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ
ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قام به كما يقول قرابة الملك نحن الملوك قال فيه :
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
وقيل المراد بالملك أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون ، فهم جميعا ملوك بهذا المعنى .
وقيل معناه أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن وقيل غير ذلك ، قال قتادة : ملكهم الخدم ، وكانوا أول من ملك الخدم ، ولم يكن لمن قبلهم خدم ، وقال ابن عباس : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا ، وعنه قال : الزوجة والخادم والبيت ، وعنه قال :
المرأة والخادم .
وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا » ، وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار عن زيد بن أسلم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان بيت له وخادم فهو ملك » .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم زوجة ومسكن وخادم ، وعن ابن عمرو بن العاص أنه سأله رجل : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ قال : « ألك امرأة تأوي إليها » ؟ قال : نعم ، قال :
« ألك مسكن » ؟ قال : نعم ، قال : « فأنت من الأغنياء » ، قال : إن لي خادما قال : « فأنت من الملوك » « 1 » ، وقال مجاهد جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا .
وقد ثبت في الحديث الصحيح « من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها » « 2 » والظاهر أن المراد بالآية الملك الحقيقي ، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 37 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 34 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 .