تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
أي صلبة لا تعي خيرا ولا تعقله وغليظة يابسة لا تلين ولا رحمة فيها لأن القسوة خلاف الرقة ، وقيل : المعنى أن قلوبهم ليست خالصة الإيمان بل مشوبة بالكفر والنفاق .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
الذي في التوراة من نعت محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وغيره
عَنْ مَواضِعِهِ
جملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية أي يبدلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله ، وقيل يزيلونه ويميلونه ، قال ابن عباس : يعني حدود اللّه . قال عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر : وأما ما يقال من أن علماءهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم ، فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه أن ذلك بعيد ، وقال : معاذ اللّه أن تعمد أمة من الأمم إلى كتابها المنزّل على نبيها فتبدله ، أو ما في معناه . قال : وإنما بدلوه وحرفوه بالتأويل ويشهد لذلك قوله تعالى :
وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ
[ المائدة : 43 ] ولو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم اللّه ، وما وقع في القرآن من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فإنما المعنى به التأويل ، اللهم إلا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط ، وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب ، وجماعتهم انتشرت في الآفاق ، واستوى الضابط منهم وغير الضابط ، والعالم والجاهل ، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير متعمد من علمائهم وأحبارهم ، ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه انتهى . والحاصل أنهم يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وأن خالفكم فاحذروه .
وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
أي الكتاب وما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبيان نعته وصفته .
وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ
الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والخائنة الخيانة ، وقيل التقدير فرقة خائنة ، وقد يقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة ، وقيل خائنة معصية ، قال ابن عباس ، قال مجاهد : هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم ، وقال قتادة : خائنة كذب وفجور .
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
يعني أنهم لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه ولم يؤمر يومئذ بقتالهم ، فأمره اللّه أن يعفو عنهم ويصفح فقال :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ
ثم نسخ ذلك في براءة فقال :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ