ما فعلنا ، وما مزيدة للتوكيد والباء للسببية ، وقال الكسائي : وهو متعلق بما قبله ، والمعنى فأخذتهم الصاعقة بسبب نقضهم ميثاقهم وما بعده ، وأنكر ذلك ابن جرير الطبري وغيره لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى ، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان ، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم بالبهتان .
قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم ، وقال الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ، لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا
[ النساء : 160 ] ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وقيل المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع اللّه على قلوبهم ، وقيل المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا .
وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ
أي كتبه التي حرفوها وجحودهم بآياته الدالة على صدق أنبيائه
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ
يعني بعد قيام الحجة والدلالة على صحة نبوتهم ، والمراد بالأنبياء يحيى وزكريا
بِغَيْرِ حَقٍّ
أي بغير استحقاق لذلك القتل
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ
جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول .
وقيل إن غلف جمع غلاف والمعنى أن قلوبهم أوعية للعلم فلا حاجة لهم إلى علم غير ما قد حوته قلوبهم ، وهو كقولهم :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
[ فصلت : 5 ] وغرضهم بهذا رد حجة الرسل .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
هذا إضراب عن الكلام الأول أي ليس عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفا بحسب مقصدهم الذي يريدونه بل بحسب الطبع من اللّه عليها ، والطبع الختم ، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة وهي مطبوع من اللّه عليها بسبب كفرهم فلا تعي وعظا ، أي أحدث عليها صورة مانعة عن وصول الحق إليها ، وقيل الباء للآلة .
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا
إيمانا أو زمانا
قَلِيلًا
أو إلا قليلا منهم كعبد اللّه بن سلام ومن أسلم منهم معه وجرى عليه البيضاوي وغيره .
وَبِكُفْرِهِمْ
هذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفرا بعد كفر ، وقيل : إن المراد بهذا الكفر كفرهم بالمسيح فحذف لدلالة ما بعده عليه ، وذلك أنهم أنكروا قدرة اللّه على خلق الولد من غير أب والمنكر لها كافر ، وهو معطوف على
فَبِما نَقْضِهِمْ
أو على بكفرهم الذي بعد طبع ، وقد أوضح الزمخشري ذلك غاية الإيضاح ، واعترض وأجاب أحسن جواب .
وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً
هو الكذب المفرط الذي يتعجب منه ، وهو هنا رميها بيوسف النجار ، وكان من الصالحين ، وقال ابن عباس : رموها بالزنا وإنما سماه
عَظِيماً
لأنه قد ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدل على براءتها من ذلك .