تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
لأنها متداركة متتابعة ، فالمنافق في الدرك الأسفل منها وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله ، وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية ، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا أعاذنا اللّه من عذابها . وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم ، وإنما كان المنافق أشد عذابا من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في الآخرة تعديلا ، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالاسلام وأهله . قال ابن مسعود : الدرك الأسفل توابيت من حديد مقفلة عليهم ، وفي لفظ مبهمة عليهم ، أي مغلقة لا يهتدي لمكان فتحها ، وعن أبي هريرة نحوه .
وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً
يخلصهم من ذلك الدرك ، والخطاب لكل من يصلح له أو للنبي صلى اللّه عليه وسلم
وَأَصْلَحُوا
ما أفسدوا من أحوالهم وأعمالهم
وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ
أي تمسكوا بعهده ووثقوا به ، والاعتصام به التمسك به والوثوق بوعده
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
أي جعلوه خالصا له غير مشوب بطاعة غيره ، فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت فقد كمل الإيمان وذلك قوله .
فَأُولئِكَ
الذين اتصفوا بالصفات السابقة الأربعة والإشارة بما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة
مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
فيما يؤتونه ، قال الفراء : أي من المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلا . قال القتيبي : حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال أولئك مع المؤمنين ولم يقل هم المؤمنون انتهى ، والظاهر أن معنى
مَعَ
معتبر هنا أي فأولئك مصاحبون للمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة ثم بين ما أعد اللّه للمؤمنين الذين هؤلاء معهم فقال :
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً
في الآخرة وحذفت الياء من « يؤتي » في الخط كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها ، ومثله
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ
[ القمر : 6 ] ، و
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
[ العلق : 18 ] ، و
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
[ ق : 41 ] ونحوها فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين ، فجاء الرسم تابعا للفظ ، والقراء يقفون عليه دون ياء اتباعا للخط الكريم إلا يعقوب والكسائي وحمزة فإنهم يقفون بالياء نظرا إلى الأصل .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 147 إلى 149 ]

ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 ) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 )
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ
هذه الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له سبحانه في
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 172 | صديق الحسيني القنوجي البخاري