أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
فدلت على وجوب متابعة الكتاب والسنة ، وقوله تعالى :
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
يدل على أن إجماع الأمة حجة لأن اللّه تعالى أمر بطاعتهم على سبيل الجزم ، وهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والمراد بهم أهل الحل والعقد ، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة .
وقوله :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
يدل على أن القياس حجة .
وهذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس ، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس البتة سواء كان القياس جليا أو خفيا ، وسواء كان النص مخصوصا قبل ذلك أم لا .
ومما يدل عليه أن قوله أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول أمر بطاعة الكتاب والسنة وهذا الأمر مطلق فثبت أن متابعتهما سواء حصل قياس يعارضها أو يخصصهما أو لم يوجد واجب .
ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى :
أحدها : أن كلمة
فَإِنْ
على قول الأكثرين للاشتراط وعلى هذا كان قوله :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ
صريحا في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول :
الثاني : أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة .
الثالث : أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب ، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله :
« فإن لم تجد » « 1 » .
الرابع : أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس ، ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا ، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وأنه غير جائز .
الخامس : أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر ، والقياس ليس كذلك بل هو مظنون من جميع الجهات ، والمقطوع راجح على المظنون .
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .