تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
قالَ
يعني اللّه تعالى
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ
يا ملائكتي
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يعني ما كان وما سيكون ، وذلك أنه سبحانه علم أحوال آدم قبل أن يخلقه ، وفي اختصاصه بعلم غيب السماوات والأرض رد لما يتكلفه كثير من العباد من الاطلاع على شيء من علم الغيب كالمنجمين والكهان ، وأهل الرمل والسحر والشعوذة
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
أي ما تظهرون وما تسرون كما يفيده معنى ذلك عند العرب ، ومن فسره بشيء خاص فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ]

وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 )
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
قيل هذا خطاب مع ملائكة الأرض والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة وهو الظاهر من قوله :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *
[ الحجر : 30 وص : 73 ] والسجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع ، وغايته وضع الوجه على الأرض ، والإسجاد إدامة النظر ، وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السّلام عظيمة حيث أسجد اللّه له ملائكته وقيل إن السجود كان للّه ولم يكن لآدم ، وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود ، ولا ملجأ لهذا فإن السجود للبشر قد يكون جائزا في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح ، وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم وكذلك الآية الأخرى أعني قوله :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ الحجر : 29 ] وقال تعالى :
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
[ يوسف : 100 ] فلا يستلزم تحريمه لغير اللّه في شريعة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكون كذلك في سائر الشرائع . ومعنى السجود هنا وضع الجبهة على الأرض وإليه ذهب الجمهور ، قال قوم هو مجرد التذلل والانقياد والأول أولى ، وقد وقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده ؟ وقد أطال البحث في ذلك البقاعي في تفسيره ، وظاهر السياق أنه وقع التعليم وتعقبه الأمر بالسجود وتعقبه إسكانه الجنة ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض . وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة ، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور ، في هذه السورة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص ، ولعل السر في تكريرها تسلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه ، فكأنه قال أو لا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم كان في محنة عظيمة للخلق ، ذكره الخطيب والظاهر أنه لإظهار شرف آدم وفضله على سائر الخلق حتى الملائكة ، وليس في هذه القصة ما يدل على محنة آدم .
فَسَجَدُوا
وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر ، قيل أول
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 97 | صديق الحسيني القنوجي البخاري