وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
أي يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات وأنما أثبت سبحانه لنفسه العلم بكل شيء لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 30 إلى 31 ]
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 )
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ
أي واذكر يا محمد إذ قال ، وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله ، وقيل إذ زائدة والأول أوجه
لِلْمَلائِكَةِ
جمع ملك بوزن فعل قاله ابن كيسان ، وقيل جمع ملاك بوزن مفعل ، قاله أبو عبيدة ، وأراد بالملائكة الذين كانوا في الأرض ، وذلك أن اللّه تعالى خلق الأرض وأسكن فيها الجن واسكن في السماء الملائكة ، فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال ، وأقاموا مكانهم ، وقيل : القول لمطلق الملائكة وكان ذلك تعليما للمشاورة وتعظيما لآدم ، وبيانا لكون الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره على شره ، واللام في
لِلْمَلائِكَةِ
للتبليغ وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام .
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
أي خالق بدلا منكم ورافعكم إلي ، وجاعل هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين ، وذكر المطرزي أنه بمعنى الخالق ، وذلك يقتضي أنه متعد إلى مفعول واحد ، وصيغة اسم الفاعل بمعنى المستقبل ، والأرض هنا هي هذه الغبراء ، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان ، وقيل إنها مكة كما ورد في مرسل ضعيف ، وقال ابن كثير أنه مدرج ، والخليفة هنا معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة ، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف أي يخلفه غيره ، قيل هو آدم كما دل عليه السياق ، وقيل كل من له خلافة في الأرض ، ويقوي الأول قوله :
خَلِيفَةً
دون الخلائف واستغنى بذكر آدم عن ذكر من بعده ، والصحيح أنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة اللّه في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه ، قيل خاطب اللّه الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة ولكن لاستخراج ما عندهم ، قيل وفيه إرشاد عباده إلى المشاورة وأن الحكمة تقتضي اتخاذ ما يغلب خيره وإن كان فيه نوع شر ، وأنه لا رأي مع وجود النص ، وهو أصل في المسائل التعبدية .
قال بعض المفسرين أن في الكلام حذفا والتقدير إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا فكرهوا ذلك و
قالُوا
أي استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة الباهرة ، وليس باعتراض على اللّه ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة ، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[ الأنبياء : 26 ] وإنما عرفوا ذلك بإخبار من اللّه أو تلق من اللوح المحفوظ أو مقياس لأحد الثقلين على الآخر
أَ تَجْعَلُ