تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شيء فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه ، والمراد بمخادعة المؤمنين لهم هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم اللّه به من أحكام الإسلام ظاهرا ، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر ، وقد يكون الخداع حسنا إذا كان الغرض منه استدراج الغير من الضلال إلى الرشد ومن ذلك استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم ، قاله الطيبي ، والآية من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم في معاملتهم للّه بحال المخادع مع صاحبه من حيث القبح أو من باب المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية ، وأصل التركيب يخادعون رسول اللّه أو من باب التورية حيث ذكر معاملتهم للّه بلفظ الخداع . والمراد بقوله
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن ، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع ، فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك ، والمراد أنهم يمنونها الأماني الباطلة ، وهي كذلك تمنيهم ، والنفس ذات الشيء وحقيقته ، ثم قيل للقلب والروح والدم والماء نفس ، والمراد بالأنفس هنا ذواتهم أو قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم
وَما يَشْعُرُونَ
أي لا يعلمون أن وبال خداعهم راجع عليهم . قال أهل اللغة : شعرت بالشيء فطنت ، قال في الكشاف الشعور علم الشيء علم حس من الشعار ومشاعر الإنسان حواسه ، وقيل الشعور إدراك الشيء من وجه يدق ويخفى من الشعر لدقته ، والأول أولى ، قال ابن عباس إنهم المنافقون من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم ، عن ابن سيرين قال لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 10 ]

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 )
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
المرض كل ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر ، قاله ابن فارس وقيل هو الألم فيكون على هذا مستعارا للفساد الذي في عقائدهم إما شكا ونفاقا ، أو جحدا وتكذيبا
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
أي كفرا ونفاقا ، والمراد بزيادة المرض الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من النعم ، ويتكرر له من منن اللّه الدنيوية والدينية ، ويحتمل أن يكون دعاء عليهم بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق ، وفسر ابن عباس المرض بالشك والنفاق ، وقال ابن زيد : هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأجسام ، وقال عكرمة وطاوس المرض الرياء ، والقراء مجمعون على فتح الراء من مرض إلا أبا عمرو فإنه قرأ بالسكون
وَلَهُمْ عَذابٌ
أي نكال .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 69 | صديق الحسيني القنوجي البخاري