أومر أن أنقب عن قلوب الناس » « 1 » قال القفال إنه ليس إجبارا على الإسلام لأن الجبر ما سلب الاختيار بل كان إكراها وهو جائز ولا يسلب الاختيار كالمحاربة مع الكفار ؛ فأما قوله :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
[ البقرة : 256 ] وقوله :
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
[ يونس : 99 ] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ؛ ذكره الشهاب .
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ
أي قلنا لهم خذوا ما أعطيناكم
بِقُوَّةٍ
القوة الجد والاجتهاد
وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
أي ادرسوا ولا تنسوه ؛ والمراد بذكر ما فيه أن يكون محفوظا عندهم ليعملوا به
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي لكي تنجو من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى أو رجاء منكم أن تكونوا متقين .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 64 إلى 66 ]
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 )
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ
أصل التولي الإدبار عن الشيء والإعراض بالجسم ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي الميثاق أو رفع الطور أو إيتاء التوراة ؛ والمراد هنا إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم من بعد البرهان لهم والترهيب بأشد ما يكون وأعظم ما تجوزه العقول ، وتقدره الأفهام ، وهو رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة عليهم .
فَلَوْ لا
حرف امتناع لوجود تختص بالجمل الاسمية
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
بأن تدارككم بلطفه ؛ والفضل الزيادة والخير والأفضال والإحسان قاله ابن فارس في المجمل
وَرَحْمَتُهُ
حتى أظهروا التوبة
لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
أي المغبونين بذهاب الدنيا والهالكين بالعذاب في العقبى : والخسران النقصان .
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
أي عرفتم فيتعدى لواحد فقط والفرق بينهما أن العلم يستدعي معرفة الذات وما هي عليه من الأحوال ، والمعرفة تستدعي معرفة الذات أو الفرق أن المعرفة يسبقها جهل بخلاف العلم ولذلك لا يجوز إطلاقها عليه سبحانه .
الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ
أي جاوزوا الحد
فِي السَّبْتِ
يقال سبت اليهود لأنهم يعظمونه ويقطعون فيه أعمالهم ، وأصل السبت في اللغة القطع لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل ، وقيل هو مأخوذ من السبوت وهو الراحة والدعة ، وقال في الكشاف السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت انتهى ، وفيه نظر ، فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 61 ، ومسلم في الزكاة حديث 144 ، وأحمد في المسند 3 / 4 .