التوراة عوضا يسيرا من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشئ اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشئ اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل ، وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم ، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه ، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر اللّه به أو إثبات باطل نهى اللّه عنه ، أو امتنع من تعليم ما علمه اللّه وكتم البيان الذي أخذ اللّه عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات اللّه ثمنا قليلا
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام الدنيا .
ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادىء لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى ، أو لأن الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين ، وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى وباقي الكلام فيه كالكلام في قوله
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
وقد تقدم قريبا .
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
أي ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم ، وقيل لا تخلطوا الحق من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالباطل من تغيير صفته ، واللبس الخلط ، وقيل هو مأخوذ من التغطية أي لا تغطوا الحق بالباطل ، والأول أولى ، والباء للإلصاق على الأول وقيل للاستعانة واستبعده أبو حيان ، وقال فيه صرف عن الظاهر من غير ضرورة ، قال السمين ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحسن ، والباطل في كلام العرب الزائل ، والباطل الشيطان والمراد به هنا خلاف الحق والمراد النهي عن كتم حجج اللّه التي أوجب عليهم تبليغها وأخذ عليهم بيانها ، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشيء معين ومعنى خاص كما تقدم فلم يصب إن أراد أن ذلك هو المراد دون غيره لا إن أراد أنه مما يصدق عليه .
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ
لما فيه من الضرر والفساد ، وفيه أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه ، وفيه تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذه الخطاب وإن كان خاصا في الصورة عاما في المعنى ، فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا يكتم الحق
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
فيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل ، وذلك أغلظ للذنب وأوجب للعقوبة ، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه خصوصا في أمور الدين ، فإن التكلم فيها والتصديق للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن اللّه به لمن كان رأسا في العلم فردا في الفهم ، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم ، والقعود في غير مقاعدهم .