تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
السوط إلى السيف . وقيل : لمّا كان الضرب بالسوط عند العرب أشدّ العذاب عبّروا عن العذاب بالسوط ، والتعبير عن إنزاله بالصبّ للإيذان بكثرته وتتابعه واستمراره « 1 » . ثمّ بيّن سبحانه أنّه مراقب لأعمال عباده بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ
يا محمد
لَبِالْمِرْصادِ
وفي المكان الذي تترقّب فيه السائلة ليظفر بالجائي ولأخذ المقصّر بحيث لا يفوته أحد ، فيعاقب قومك على طغيانهم وعصيانهم كما عاقب غيرهم من الأمم المكذّبة للرسل .

[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 18 ]

فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) ثمّ إنّه تعالى بعد بيان كونه مراقبا لأعمال العباد ومجازاتهم ، بيّن عدم اعتناء الانسان بذلك ، لانهماكه بلذائذ الدنيا بقوله :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ
فهو غافل عن ذلك ولذا
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ
وامتحنه
فَأَكْرَمَهُ
بالجاه والثروة
وَنَعَّمَهُ
ووسّع عليه في رزقه ، ليظهر أنّه شاكر أو كافر
فَيَقُولُ
مفتخرا :
رَبِّي أَكْرَمَنِ
وفضّلني على غيري بالمال والجاه ، ويغترّ بذلك ، ولا يخطر بباله أنّه امتحان وابتلاء
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ
بالفقر
فَقَدَرَ
وضيق
عَلَيْهِ رِزْقَهُ
ليظهر أنّه صابر أو جزوع
فَيَقُولُ
تضجّرا :
رَبِّي أَهانَنِ
وأذلني بالفقر ، ولا يخطر بباله أنّه امتحان . وعلى أيّ تقدير ليس له توجّه إلى الآخرة ، ولا يلتفت إلى أنّ إقبال الدنيا ليس إكراما من اللّه ، وإدبارها ليس إهانة من اللّه ، لذا ردع الانسان عن توهّماته بقوله :
كَلَّا
ليس ما يقول في الحالين حقّا وصوابا . ثمّ التفت سبحانه إلى خطاب الكفّار تشديدا لتقريعهم ببيان سوء أفعالهم بعد بيان سوء أقوالهم بقوله :
بَلْ لا تُكْرِمُونَ
أيّها الأشقياء
الْيَتِيمَ
الذي يجب إكرامه بالرعاية وإعطاء النفقة
وَلا تَحَاضُّونَ
ولا تحرّضون غيركم
عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
لشدّة بخلكم فضلا عن أنّ تطعموه من أموالكم . قيل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف ، فكان يدفعه عن حقّه ، فنزلت الآيات « 2 » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 426 . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 171 ، تفسير روح البيان 10 : 429 .