تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
ثمّ إنّه تعالى بعد هذه الموعظة النافعة مدح القرآن العظيم المشتمل عليها بقوله :
إِنَّها تَذْكِرَةٌ
وعظة لأهل العالم إلى يوم القيامة
فَمَنْ شاءَ
التذكّر والاتّعاظ بالقرآن
ذَكَرَهُ
واتّعظ به أو حفظه ولا ينساه ، فانّه مكتوب آياته
فِي صُحُفٍ
ودفاتر منتسخة من اللوح المحفوظ
مُكَرَّمَةٍ
تلك الصّحف عند اللّه ، لكونها صحف القرآن الكريم
مَرْفُوعَةٍ
في السماوات ، موضوعة في البيت المعمور الذي يكون في السماء الرابعة ، أو في بيت العزّة الذي يكون في السماء الدنيا ، أو مرفوعة القدر والمنزلة
مُطَهَّرَةٍ
ومنزّهة من مساس أيدي الشياطين ، منتسخة في السماء ، أو منزلة إلى الأرض
بِأَيْدِي
ملائكة
سَفَرَةٍ
الذين يسافرون بالوحي بين اللّه وبين رسله ، أو الكتبة كما عن بن عباس « 1 »
كِرامٍ
أولئك الملائكة على ربّهم ، أو متكرّمين من أن يكونوا مع ابن آدم عند الجماع وقضاء الحاجة
بَرَرَةٍ
ومطيعين للّه . قيل : إنّ المراد من الصّحف صحف الأنبياء « 2 » ، والمراد من السّفرة الكرام أصحاب الرسول « 3 » ، أو القرّاء « 4 » ، وليس بشيء .

[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 17 إلى 23 ]

قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) ثمّ لمّا كان الكفّار تكبّروا عن الايمان بهذا القرآن الذي يكون في نهاية العظمة ، واستنكفوا عن تصديقه وقبوله ، ذمّهم سبحانه ، وأظهر الغضب عليهم بقوله :
قُتِلَ الْإِنْسانُ
وهو دعاء عليه بما يكون عند العرب أشنع الدعوات
ما أَكْفَرَهُ
وأشد كفره بربّه مع كثرة إحسانه إليه وإنعامه عليه ، أما يتفكّر في أنّه
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ
حقير مهين
خَلَقَهُ
اللّه وكوّنه . قيل : نزلت في عتبة بن أبي لهب « 5 » . ثمّ بيّن سبحانه ذلك الشيء القذر الذي كان مبدأ خلقه بقوله :
مِنْ نُطْفَةٍ
قذرة
خَلَقَهُ
اللّه وأوجده
فَقَدَّرَهُ
وسوّاه إنسانا كامل الأعضاء والجوارح والقوى . وقيل : يعني قدّر كلّ عضو منه كميه وكيفية بالقدر اللائق بمصلحته « 6 » . وقيل : يعني قدّره أطوارا نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة إلى آخر خلقه ، ذكرا أو أنثى ، سعيدا أو شقيا « 7 » ، فمن كان أصله ومبدأ خلقه ذلك الشيء الحقير المهين ، كيف يرى لنفسه العظمة ويتكبّر ويتبختر ؟
هامش
( 1 - 2 - 3 - 4 ) . تفسير الرازي 31 : 58 . ( 5 ) . تفسير الرازي 31 : 59 . ( 6 ) . تفسير الرازي 31 : 60 . ( 7 ) . تفسير الرازي 31 : 60 ، تفسير روح البيان 10 : 335 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 428 | الشيخ محمد النهاوندي