تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
منهم زجر وقهر ، فاتّفقوا على عبادته ، فبعث اللّه لهم نبيأ كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة ، وكان اسمه حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أنّ الصورة صنم لا روح له ، وأنّ الشيطان فيه ، وأنّ اللّه لا يتمثّل بالخلق ، وأنّ الملك لا يكون شريكا للّه تعالى ، ونصحهم وحذرهم سطوة ربّهم ونقمته ، فأذوه وعادوه ، وهو يبالغ في نصحهم ووعظهم ، حتى قتلوه وطرحوه في بئر ، وعند ذلك حلّت عليهم النقمة ، وأصبحوا والبئر [ قد ] غار ماؤها ، فصاحوا بأجمعهم ، وضجّ النساء والولدان والبهائم عطشا حتى هلكوا ، وتبدّلت أشجارهم المثمرة بالسّدر والشوك « 1 » . وقيل : إنّ الرّسّ بئر قريب من اليمامة « 2 » . وقيل : بئر أذربايجان « 3 » ، أو اسم واد « 4 » ، وقد سبقت قصتهم في سورة الفرقان .
وَ
كذّبت
ثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ
الذي كان مفتر ومستخفا بقومه فأطاعوه وأتّبعوه ، ولذا لم يقل : قوم فرعون
وَإِخْوانُ لُوطٍ
وإنّما عبّر سبحانه عن قوم لوط بإخوان ، لأنّهم كانوا طائفة من قوم إبراهيم ، لهم سابقة معروفة بلوط ، وكذا قيل « 5 »
وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ
والغيظة ، وهم من قوم شعيب
وَقَوْمُ تُبَّعٍ
الحميري ملك اليمن
كُلٌّ
من أفراد هؤلاء الأقوام
كَذَّبَ الرُّسُلَ
المبعوثين إليهم ، أو الرسل جميعا فيما ارسلوا به من التوحيد والبعث والشرائع
فَحَقَّ
وثبت ، أو حلّ عليهم
وَعِيدِ
اللّه ، وما أنذروهم به من العذاب ، وفي الآية تسلية للرسول ، لئلا يحزن بتكذيب قومه ، ويصبر على أذاهم ، كما صبر الرّسل على أذى قومهم ، ويطمئنّ بالظّفر على أعدائه كما ظفروا .

[ سورة ق ( 50 ) : آية 15 ]

أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) ثمّ إنّه تعالى بعد تعداد الآيات الآفاقية الدالة على التوحيد وصحّة البعث عاطفا بعضها على بعض بالواو لكون جميعها من جنس واحد ، استدلّ بخلق أنفسهم عاطفا له بالفاء لتأخّره في الرّتبة عن تلك الآيات بقوله :
أَ فَعَيِينا
وعجزنا عن خلقكم ثاني مرّة
بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
وبسبب إيجادهم في الدنيا أو بخلق السماوات والأرض ؟ ! لا واللّه إنّهم لا ينكرون أنّا خلقنا السماوات والأرض ، وأنّا خلقناهم في الدنيا
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ
وشكّ وشبهة
مِنْ خَلْقٍ
لهم
جَدِيدٍ
وثاني مرة ، لكونه على خلاف العادة في الدنيا ، ويقولون : أيكرّر ويجدّد خلقنا ، ونرجع ثانيا أحياء ؟ ! ذلك رجع بعيد . قال بعض المتكلمين : إنّ ابن آدم في كلّ زمان متلبّس بخلق جديد ، فإنّه تتحلّل أجزاؤه ، ويخلق لها
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 109 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 110 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 110 . ( 5 ) . تفسير الرازي 28 : 161 .