ثمّ لمّا افتضح المنافقون بيّن سبحانه سوء حال المنافقين ، وأظهر التعجّب من سوء صنيعهم بقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ
يا من يعقل ، أو يا محمد ، ولم تنظر
إِلَى
المنافقين
الَّذِينَ
ي
تَوَلَّوْا
ن ، وتوادّوا
قَوْماً
من اليهود ، مع أنّهم قوم
غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
ولعنهم حيث ينقلون أسرار المؤمنين إليهم ، والعجب أنّ هؤلاء المنافقين مذبذبين
ما هُمْ مِنْكُمْ
وليسوا من زمرتكم ، لكفرهم في الباطن
وَلا مِنْهُمْ
لعدم اعتقادهم بدين اليهود ، وإذا لقوكم قالوا : إنّا مسلمون ، أو المراد إنّهم يشتمون اللّه ورسوله ، ويكيدون المسلمين ، وإذا قيل لهم : إنّكم فعلتم كذا وكذا ، أو قلتم كذا وكذا ، قالوا : واللّه ما فعلنا ذلك وما قلنا ذلك
وَيَحْلِفُونَ
ويقسمون باللّه
عَلَى
ادّعائهم
الْكَذِبِ
تحفّظا على أنفسهم من القتل ، وعلى أموالهم من النّهب
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
كذب ما حلفوا عليه ، وهذا الحلف في غاية الشناعة والقباحة .
ثمّ هدّدهم سبحانه بقوله :
أَعَدَّ اللَّهُ
وهيّأ
لَهُمْ
في القبر على قول بعض ، أو في الآخرة
عَذاباً شَدِيداً
لا يمكن تحديد شدّته وتوصيفها ، لأجل
إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من الكفر باللّه ورسوله ، وموادّة اليهود واليمين الغموس « 1 » .
روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان في حجرة من حجراته ، فقال لأصحابه : « يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار ، وينظر بعين الشيطان » فدخل عبد اللّه بن نبتل ، وكان أرزق ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « على م تشتمني أنت وأصحابك ؟ فحلف باللّه ما فعل . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « فعلت » فانطلق بأصحابه فحلفوا باللّه ما سبّوه ، فنزلت الآيات « 2 » .
ثمّ ذمّهم سبحانه بقوله :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ
الفاجرة حين الخوف من المسلمين
جُنَّةً
وترسا يحفظون به أنفسهم من سيوف المسلمين ، وأموالهم من النّهب
فَصَدُّوا
ومنعوا الناس
عَنْ
الدخول في دين الاسلام ، وسلوك
سَبِيلِ اللَّهِ
والعمل بما يوجب قربهم إليه في خلال أمنهم وسلامتهم ، بإدخال الشّبهات في القلوب ، وذكر المطاعن للاسلام ، وتعييب المسلمين
فَلَهُمْ
في
هامش
( 1 ) . اليمين الغموس : الكاذبة ، تغمس صاحبها في الإثم .
( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 408 .