تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
ثمّ أنّه تعالى بعد الاحتجاج على التوحيد وإبلاغ البيان فيه ، ختم الكلام بأمر نبيّه بإظهار التزام نفسه به ، قبلوا قوله وحججه أوّلا ، قطعا لطمع المشركين من أن يميل عليه السّلام إلى دينهم ، وإظهارا لعدم المبالاة بلجاجهم وعنادهم بقوله :
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ
التي هي أحبّ البلاد لديّ وأكرمها وأعظمها عندي وعند ربّي
الَّذِي حَرَّمَها
وجعلها لمن دخلها ، وممنوعة من أن تهتك حرمتها ، ويعضد شجرها « 1 » ، وينفّر صيدها ، ومن المعلوم أنّ ذلك كلّه من نعم ربّي عليّ وعليكم ، وليس إضافتها إليه لاختصاص ربوبيته بها ، بل
وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ
من هذه البلدة وغيرها من الموجودات
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
والمنقادين له ، والمطيعين لأحكامه ، أو من الثابتين على دينه
وَ
أمرت
أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ
الذي أنزله عليّ ، وإن تجحدونه أنّه منه ، وتنسبونه إلى السّحر مرة ، وإلى الشعر أخرى ، وإلى الكهانة ثالثة ، وإلى الأساطير رابعة
فَمَنِ اهْتَدى
إلى التوحيد ودين الاسلام والسعادة الأبدية بهدايته وإرشادك
فَإِنَّما يَهْتَدِي
إلى كلّ خير عائد
لِنَفْسِهِ
لا يتعدّى إلى غيره
وَمَنْ ضَلَّ
بمخالفتك عن الصراط المستقيم ، وانحرف عن الطريق القويم
فَقُلْ
له : ليس عليّ وبال ضلالك و
إِنَّما أَنَا
منذر
مَنْ
جملة
الْمُنْذِرِينَ
ورسول من الرسل ليس عليّ إلّا الإنذار والتبليغ ، وقد أدّيت ما عليّ ، وخرجت عن عهدة ما كلّفت به ، وعليكم الاهتداء والايمان ، وبقي ما عليكم واللّه مجازيكم عليه . ثمّ لمّا بيّن وظيفته وهو التبليغ ، وخروجه من عهدتها ، وبراءته من وبال مخالفة أمّته ، أمره اللّه سبحانه بالشكر على نعمه عليه بقوله :
وَقُلِ
يا محمد
الْحَمْدُ لِلَّهِ
على إكمال نعمه عليّ من العلم والحكمة والنبوة والكتاب ، وتوفيقه للقيام بوظيفة الرسالة وتحمّل أعباء النبوة ، وأمّا أنتم يا مشركي قريش ، فاعلمكم أنّ اللّه المنتقم
سَيُرِيكُمْ
في الدنيا أو الآخرة
آياتِهِ
القاهرة وعقوباته الشديدة
فَتَعْرِفُونَها
حين لا ينفعكم معرفتها ، وتقرّون بها حين لا يفيدكم الإقرار . القميّ ، قال : الآيات أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السّلام إذا رجعوا إلى الدنيا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم في الدنيا « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام ، أنّه قال : « واللّه ما للّه آية أكبر مني » « 3 » . قال مقاتل : يعني سيريكم آياته عن قريب من الأيام ، فطوبى لمن رجع قبل وفاته ، والويل على من
هامش
( 1 ) . يعضد شجرها : أي يقطع . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 132 ، تفسير الصافي 4 : 79 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 132 ، تفسير الصافي 4 : 79 .